لم يقع التمدح بمجرد أن لا يرى، وإنما يقع التمدح بكونه رائيا ولا يرى، ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحا ثم بانضمام شيء آخر اليه يصير مدحا، وهكذا فلا مدح في نفي الصاحبة والولد مجردا ثم إذا انضم إليه كونه حيّا لا آفة به صار
مدحا. وهكذا فلا مدح في أنه لا أول له، فإن المعدومات تشاركه في ذلك، ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه، وهو كونه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موجودا، كذلك في مسألتنا. وحاصل هذه الجملة، أن التمدح إنما يقع لما تقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات، والبينونة لا تقع إلّا بما نقوله، لأن الذوات على أقسام، منها ما يرى ويرى كالواحد منا، ومنها ما لا يرى ولا يرى كالمعدومات، ومنها ما يرى ولا يرى كالجماد، ومنها ما لا يرى ويرى كالقديم سبحانه وتعالى.
وعلى هذا الوجه صحّ التمدح بقوله: وهو يطعم ولا يطعم» وهكذا ترتبط فكرة المدح بتباين الذات الالهية عن الذوات البشرية. وفكرة التباين ليست سوى التنزيه عن صفات النقص البشرية، وتأكيد صفات الكمال، بمعنى أن الذات الالهية وإن حملت بعض الصفات البشرية كالحياة والعلم والارادة والسمع والبصر، فإن هذه الصفات قد بلغت أوج كمالها في الله وتفاوتت في البشر، أمّا صفات النقص والضعف في البشر فهي منفية نفيا كاملا عن الله. وهكذا تقع البينونة التي هي أساس المدح. وهكذا تلتقي فكرتا التوحيد والمدح في قضية نفي الرؤية عن الله.
وإذا كان المعتزلة على غير عادتهم لا يلزمون من جوّز رؤية الله من غير كيفية الكفر على أساس أن التفرقة بين أنواع المرئيات مما يصعب ويلتبس، فإنهم أيضا على غير عادتهم يجيزون الاستدلال على مسألة نفي الرؤية بالعقل والسمع جميعا «لأن صحة السمع لا تقف عليها، وكل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها بالسمع ممكن. ولهذا جوّزنا الاستدلال بالسمع على كونه حيا، لما لم نقف صحة السمع عليها، يبين ذلك أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعا حكيما، وإن لم يخطر بباله أنه هل يرى أم لا، ولهذا لم نكفر من خالفنا في هذه المسألة، لما كان الجهل بأنه تعالى لا يرى لا يقتضي جهلا بذاته ولا بشيء من صفاته» والمسألة ترتبط في النهاية بعدم المساس بأصل التوحيد الذي يدافع عنه المعتزلة، لكنهم حين يجدون خصومهم يبدءون استدلالهم بالسمع، أي من القرآن الشريف، والسنة النبوية، على اعتبار أن قضية التوحيد، ومنها الرؤية، لا تؤخذ إلّا من السمع ولا مجال فيها للعقل، وهو منطلق يخالف تمام المخالفة ما ينطلق منه المعتزلة حيث يعتبرون أن قضايا التوحيد والعدل هي قضايا عقلية في الأساس الأول وأن السمع قد جاء لتأكيدها، ولذلك قال أبو علي الجبائي «إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدا لما في العقول، فأمّا أن يكون دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال» . حين يجد المعتزلة أن خصومهم يبدءون استدلالهم بالسمع يلجئون إلى نزع هذا السلاح من يدهم بادئ ذي بدء على
أساس أنهم لا يصح لهم العلم بالسمعيات «لأنهم قد أفسدوا على أنفسهم طريق العلم بأنه سبحانه لا يفعل القبيح لاضافتهم القبائح كلها إلى الله» .