وإذا كان المعتزلة على غير عادتهم لا يلزمون من جوّز رؤية الله من غير كيفية الكفر على أساس أن التفرقة بين أنواع المرئيات مما يصعب ويلتبس، فإنهم أيضا على غير عادتهم يجيزون الاستدلال على مسألة نفي الرؤية بالعقل والسمع جميعا «لأن صحة السمع لا تقف عليها، وكل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها بالسمع ممكن. ولهذا جوّزنا الاستدلال بالسمع على كونه حيا، لما لم نقف صحة السمع عليها، يبين ذلك أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعا حكيما، وإن لم يخطر بباله أنه هل يرى أم لا، ولهذا لم نكفر من خالفنا في هذه المسألة، لما كان الجهل بأنه تعالى لا يرى لا يقتضي جهلا بذاته ولا بشيء من صفاته» والمسألة ترتبط في النهاية بعدم المساس بأصل التوحيد الذي يدافع عنه المعتزلة، لكنهم حين يجدون خصومهم يبدءون استدلالهم بالسمع، أي من القرآن الشريف، والسنة النبوية، على اعتبار أن قضية التوحيد، ومنها الرؤية، لا تؤخذ إلّا من السمع ولا مجال فيها للعقل، وهو منطلق يخالف تمام المخالفة ما ينطلق منه المعتزلة حيث يعتبرون أن قضايا التوحيد والعدل هي قضايا عقلية في الأساس الأول وأن السمع قد جاء لتأكيدها، ولذلك قال أبو علي الجبائي «إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدا لما في العقول، فأمّا أن يكون دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال» . حين يجد المعتزلة أن خصومهم يبدءون استدلالهم بالسمع يلجئون إلى نزع هذا السلاح من يدهم بادئ ذي بدء على
أساس أنهم لا يصح لهم العلم بالسمعيات «لأنهم قد أفسدوا على أنفسهم طريق العلم بأنه سبحانه لا يفعل القبيح لاضافتهم القبائح كلها إلى الله» .
وإذا كانت قضايا التوحيد والعدل هي قضايا عقلية في المحل الأول، فإن صحة السمع تنبني على أدلّة العقل، وما ورد في السمع مخالفا لأدلة العقل يجب تأويله بما يتفق مع هذه الأدلة العقلية. ولا تناقض بين هذا المبدأ وبين قول المعتزلة إن قضية الرؤية مما يصحّ أن يستدلّ عليها بالعقل والسمع معا إذا كانت هذه القضية، حتى مع الجهل بها، لا تقدح في أساس التوحيد. على أنهم في هذه القضية يربطون بين العقل والسمع ولا يقدمون السمع على العقل، بل يجعلونهما متساويين في الدلالة.
(1) وإذن يقوم مسلك المعتزلة في تأكيد أفكارهم العقلية عن الله تعالى على ثلاث وسائل: الوسيلة الأولى هي التفرقة بين المحكم والمتشابه، واعتبار ما يدعم وجهة نظرهم محكما يدل بظاهره، وفي نفس الوقت اعتبار ما يدعم وجهة نظر الخصوم متشابها في حاجة إلى التأويل. أمّا الوسيلة الثانية فهي التأويل وغايته رفع التناقض الذي يمكن أن يوجد بين أفكارهم العقلية عن الله وبين ظاهر بعض الآيات التي يستشهد بها الخصوم، والتي يعدها المعتزلة متشابها. أمّا الوسيلة الثالثة فهي انكار حق الخصوم، أو قدرتهم على معرفة السمعيات وفهمها، لأن صحة السمع موقوفة على العدل والتوحيد وهي قضايا عقلية، ولأن الخصوم «قد أفسدوا على أنفسهم طريق العلم بأنه سبحانه لا يفعل القبيح لاضافتهم القبائح كلها إلى الله» .
وهذه الوسيلة الأخيرة لا يسلكها المعتزلة في الرد على خصومهم في قضية الرؤية وذلك لأنها لا تقدح في أصل التوحيد أولا، وثانيا لأنها من المسائل الشائكة التي كثرت فيها الشبه والاعتراضات، بسبب صعوبة التفرقة بين أنواع المدركات كما سبقت الاشارة. وعلى ذلك يبدأ المعتزلة نقاشهم قضية الرؤية على أساس ايراد أدلتهم السمعية، وهي المحكمة من وجهة نظرهم على نفي الرؤية، ثم يلجئون إلى أدلّة الخصوم وهي المتشابه مستخدمين سلاح التأويل والمجاز.
يورد المعتزلة على خصومهم قوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام / 103) فيأخذونه دليلا على صحة ما أثبتوه عقلا من أن الله تعالى لا يصحّ أن يرى. غير أن هذا الدليل السمعي لا يسلم للمعتزلة من النقض، إذ يلجأ خصومهم إلى التفرقة بين لفظ «أدرك» ولفظ «رأى» على أساس أن الادراك غير الرؤية وأن الله إذا كان قد نفى أن يدرك بالبصر فإنه لم
ينف أن يرى إذ «أن الادراك عبارة عن الاحاطة ومنه فلما أدركه الغرق أحاط به وإنّا لمدركون أي محاط بنا فالمنفي إذا عن الأبصار احاطتها به عز وعلا لا مجرد الرؤية يدل لنا أن تخصيص الاحاطة بالنفي يشعر بطريق المفهوم بثبوت ما هو أدنى من ذلك وأقله مجرد الرؤية كما أنّا نقول لا تحيط به الأفهام وإن كانت المعرفة بمجردها حاصلة لكل مؤمن فالاحاطة للعقل منفية كنفي الاحاطة للحس وما دون الاحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للحس ثابت غير منفي» . ويضطر المعتزلة إلى الدخول في مناقشات لغوية حول لفظ «أدرك» والفرق بينه وبين لفظ «رأى» .