يورد المعتزلة على خصومهم قوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام / 103) فيأخذونه دليلا على صحة ما أثبتوه عقلا من أن الله تعالى لا يصحّ أن يرى. غير أن هذا الدليل السمعي لا يسلم للمعتزلة من النقض، إذ يلجأ خصومهم إلى التفرقة بين لفظ «أدرك» ولفظ «رأى» على أساس أن الادراك غير الرؤية وأن الله إذا كان قد نفى أن يدرك بالبصر فإنه لم
ينف أن يرى إذ «أن الادراك عبارة عن الاحاطة ومنه فلما أدركه الغرق أحاط به وإنّا لمدركون أي محاط بنا فالمنفي إذا عن الأبصار احاطتها به عز وعلا لا مجرد الرؤية يدل لنا أن تخصيص الاحاطة بالنفي يشعر بطريق المفهوم بثبوت ما هو أدنى من ذلك وأقله مجرد الرؤية كما أنّا نقول لا تحيط به الأفهام وإن كانت المعرفة بمجردها حاصلة لكل مؤمن فالاحاطة للعقل منفية كنفي الاحاطة للحس وما دون الاحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للحس ثابت غير منفي» . ويضطر المعتزلة إلى الدخول في مناقشات لغوية حول لفظ «أدرك» والفرق بينه وبين لفظ «رأى» .
وينفي المعتزلة أن يكون الادراك هو الاحاطة و «الاحاطة ليس هو بمعنى الادراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها ألا ترى أنهم يقولون السور أحاط بالمدينة ولا يقولون أدركها أو أدرك بها على أنه كما لا تحيط به الأبصار، فكذلك لا يحيط هو بالابصار، لأن المانع في الموضعين واحد فلا يجوز حمل الادراك المذكور في الآية على الاحاطة» ثم يفرقون بين الادراك مطلقا، وبين الادراك إذا قيد بالنظر كما هو منطوق الآية الكريمة. فالادراك «إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر، وإن كان إذا أطلق فقد يستعمل بمعنى اللحوق، فيقال: أدرك الغلام إذا بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت، وأدرك فلان فلانا إذا لحقه، وقال سبحانه: {حَتََّى إِذََا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} يعني لحقه الغرق، و {قََالَ أَصْحََابُ مُوسى ََ إِنََّا لَمُدْرَكُونَ} يعني لملحوقون.
وقد يقال عند الاطلاق أدركت الحرارة والبرودة وأدركت الصوت، وكل ذلك إنما يصح إذا لم يقرن بالبصر، ومتى قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر. فإذا صحّ ذلك فيجب أن يكون قوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} في باب الدلالة على أنه لا يرى بمنزلة قوله تعالى: لا تراه الأبصار» وبصرف النظر عن خلافهم حول «الادراك» هل هو الاحاطة أو البلوغ أو اللحوق، فإن الفكرة التي يطرحها القاضي عبد الجبار للتفرقة بين لفظ «أدرك» عند الاطلاق، وبين نفس اللفظ إذا قيد بالنظر تبدو فكرة أصيلة من ناحية الدلالة على أساس أن اللفظ يكتسب معنى محددا من خلال التركيب والسياق، وأن هذا اللفظ حين لا يكون موضوعا في سياق محدد، لا يكون له حينئذ سوى معنى هلامي مهوّش. غير أن الآية تثير أشكالا آخر حول مفهوم كلمة «الأبصار» إذ يبدو مفهوما ومنطقيا نفي أن تدرك الأبصار الله، ولكن كيف يدرك هو الأبصار؟ وهنا يلجأ المعتزلة إلى القول ب «أن المراد بالأبصار المبصرون، إلّا أنه تعالى علّق الادراك بما هو آلة فيه وعنى به الجملة. ألا ترى أنهم يقولون: مشت رجلي، وكتبت يدي، وسمعت اذني، ويريدون الجملة» وعلى ذلك يكون معنى الآية أن المبصرين لا يدركون الله ولكنه يدرك المبصرين. وهنا يثور اشكال جديد فحواه أن الآية
تقتضى على هذا التأويل أي تأويل الابصار بالمبصرين «أن يرى الله نفسه لأنه من المبصرين» غير أن المعتزلة يردون على هذا الاشكال بدليل عقلي فحواه «أنه تعالى وإن كان مبصرا، فإنما يرى ما تصحّ رؤيته، ونفسه يستحيل أن ترى لما قد بينا أنه يمدح بنفي الرؤية عن نفسه مدحا يرجع إلى ذاته، وما كان نفيه راجعا إلى ذاته فإن اثباته نقص، والنقص لا يجوز على الله تعالى» ولا يكون هذا الاشكال واردا على مفسّر معتزلي كالزمخشري لأنه لم يتأول الأبصار على أنها المبصرون كما فعل القاضي عبد الجبار، وإنما البصر عنده «هو الجوهر اللطيف الذي ركبه الله في حاسة النظر وبه تدرك المبصرات، فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته لأنه الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات (وهو يدرك الأبصار) وهو للطف ادراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك (وهو اللطيف) يلطف عن أن تدركه الأبصار (الخبير) بكل لطيف يدرك الأبصار لا تلطف عن ادراكه وهذا من باب اللف» . وفي هذا التفسير تسعف الزمخشري معرفته البلاغية فيبتعد عن الاشكال الذي يثيره تأويل «الأبصار» بالمبصرين، ويساعده على ذلك ربط آخر الآية بأولها على طريقة «اللف» بمعنى أن نفي ادراك الأبصار لله يؤكده كونه سبحانه لطيفا، واثبات ادراكه لها يؤكده كونه خبيرا. ثم إن تعريف الزمخشري للأبصار بأنها جواهر لطيفة وأن الله يدركها يستند إلى أساس كلامي للمعتزلة، وللنظّام خصوصا في أن الجواهر يجوز أن ترى. وبذلك يرى الله ما تجوز عليه رؤيته، ويرتفع الاعتراض الذي يمكن أن يثور من الخصوم على ذلك.