فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 269

وقد يقال عند الاطلاق أدركت الحرارة والبرودة وأدركت الصوت، وكل ذلك إنما يصح إذا لم يقرن بالبصر، ومتى قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر. فإذا صحّ ذلك فيجب أن يكون قوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} في باب الدلالة على أنه لا يرى بمنزلة قوله تعالى: لا تراه الأبصار» وبصرف النظر عن خلافهم حول «الادراك» هل هو الاحاطة أو البلوغ أو اللحوق، فإن الفكرة التي يطرحها القاضي عبد الجبار للتفرقة بين لفظ «أدرك» عند الاطلاق، وبين نفس اللفظ إذا قيد بالنظر تبدو فكرة أصيلة من ناحية الدلالة على أساس أن اللفظ يكتسب معنى محددا من خلال التركيب والسياق، وأن هذا اللفظ حين لا يكون موضوعا في سياق محدد، لا يكون له حينئذ سوى معنى هلامي مهوّش. غير أن الآية تثير أشكالا آخر حول مفهوم كلمة «الأبصار» إذ يبدو مفهوما ومنطقيا نفي أن تدرك الأبصار الله، ولكن كيف يدرك هو الأبصار؟ وهنا يلجأ المعتزلة إلى القول ب «أن المراد بالأبصار المبصرون، إلّا أنه تعالى علّق الادراك بما هو آلة فيه وعنى به الجملة. ألا ترى أنهم يقولون: مشت رجلي، وكتبت يدي، وسمعت اذني، ويريدون الجملة» وعلى ذلك يكون معنى الآية أن المبصرين لا يدركون الله ولكنه يدرك المبصرين. وهنا يثور اشكال جديد فحواه أن الآية

تقتضى على هذا التأويل أي تأويل الابصار بالمبصرين «أن يرى الله نفسه لأنه من المبصرين» غير أن المعتزلة يردون على هذا الاشكال بدليل عقلي فحواه «أنه تعالى وإن كان مبصرا، فإنما يرى ما تصحّ رؤيته، ونفسه يستحيل أن ترى لما قد بينا أنه يمدح بنفي الرؤية عن نفسه مدحا يرجع إلى ذاته، وما كان نفيه راجعا إلى ذاته فإن اثباته نقص، والنقص لا يجوز على الله تعالى» ولا يكون هذا الاشكال واردا على مفسّر معتزلي كالزمخشري لأنه لم يتأول الأبصار على أنها المبصرون كما فعل القاضي عبد الجبار، وإنما البصر عنده «هو الجوهر اللطيف الذي ركبه الله في حاسة النظر وبه تدرك المبصرات، فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته لأنه الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات (وهو يدرك الأبصار) وهو للطف ادراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك (وهو اللطيف) يلطف عن أن تدركه الأبصار (الخبير) بكل لطيف يدرك الأبصار لا تلطف عن ادراكه وهذا من باب اللف» . وفي هذا التفسير تسعف الزمخشري معرفته البلاغية فيبتعد عن الاشكال الذي يثيره تأويل «الأبصار» بالمبصرين، ويساعده على ذلك ربط آخر الآية بأولها على طريقة «اللف» بمعنى أن نفي ادراك الأبصار لله يؤكده كونه سبحانه لطيفا، واثبات ادراكه لها يؤكده كونه خبيرا. ثم إن تعريف الزمخشري للأبصار بأنها جواهر لطيفة وأن الله يدركها يستند إلى أساس كلامي للمعتزلة، وللنظّام خصوصا في أن الجواهر يجوز أن ترى. وبذلك يرى الله ما تجوز عليه رؤيته، ويرتفع الاعتراض الذي يمكن أن يثور من الخصوم على ذلك.

إلى هنا ينتهي المعتزلة من ايراد دليلهم المحكم من السمع، ويدفعون الاعتراض الذي يثيره الخصوم على هذا الدليل. وهذا يؤدي بهم إلى الخوض في مسائل لغوية ودلالية حول معنى اللفظ منفردا ومعناه في تركيب معين. وفي هذه النقطة أفلح القاضي عبد الجبار في تفسير الآية بما يتفق مع وجهة النظر الاعتزالية. غير أن تأويله للأبصار بأن المقصود بها المبصرون أوقعه في اشكالات راح يدفعها، وهي اشكالات تخلّص منها الزمخشري تخلّصا بلاغيا استخرجه من السياق العام للآية الذي لا يفصل بين أولها وآخرها. غير أننا يجب أن نثبت أن القاضي عبد الجبار له كتابان: المغني في أبواب التوحيد والعدل، وشرح الأصول الخمسة، وأنه في الكتاب الأول لم يورد هذا التأويل الذي أوقعه في الاشكالات. بل ورد هذا التأويل في كتابه الثاني «شرح الأصول الخمسة» وهو كتاب يختلف في أسلوبه وطريقة عرضه عن الكتاب الأول، الأمر الذي يجعلنا نظن أن هذه التأويلات من صنع شارح الكتاب والمعلّق عليه وهوم أحد تلاميذ القاضي عبد الجبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت