فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 269

يثير خصوم المعتزلة على الدليل السابق اعتراضا آخر، فحواه أن الله وإن كان يستحيل أن يرى في الدنيا، فما المانع من رؤيته في الآخرة والحال غير الحال؟ ويبنون هذا الاعتراض على أساس أن نفي الرؤية في الآية المقصود به الرؤية في الدنيا لا في الآخرة ويبني المعتزلة ردهم على هذا الاعتراض على أساسين: الأساس الأول أن الآية وردت مورد التمدح، واثبات ما تمدح الله بنفيه عن نفسه يوجب النقص. والأساس الثاني أن الآية عامة ولم تخصص بوقت دون وقت، فلا دليل للخصوم على تخصيص عموم الآية، والأصل في ذلك «أنه تعالى قد نفى أن يدرك بالأبصار نفيا عاما من غير توقيت، فيجب القطع على أن المراد به في كل حال، ولا فرق بين من قال إنه أراد به في الدنيا دون الآخرة، وبين من قال إنه أراد بذلك في بعض أوقات الدنيا دون بعض على ما يذهب إليه بعض من يقول بالحلول. ولا فرق بين من قال ذلك في هذه الآية وبين من قال بمثله في سائر ما تمدح بنفيه عن نفسه، نحو تمدحه بنفي السنة والنوم، ونفي الصاحبة والولد، ونفي المثل. فإذا وجب حمل ذلك أجمع على أن المراد به النفي وما كان نفيه مدحا مما يرجع إلى ذاته، فاثباته له لا يكون إلّا نقصا. وصفات النقص لا تجوز على القديم سبحانه في الدنيا ولا في الآخرة، فيجب أن لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وأن لا يصح أن يكون المراد بالآية النفي في وقت دون وقت، كما لا يصح أن يكون المراد بقوله: {لََا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلََا نَوْمٌ} نفي ذلك في حال دون حال» .

وهناك دليل آخر يتشبث به المعتزلة على عدم جواز رؤية الله تعالى، وهو دليل سمعي من قصة موسى عليه السلام، والمقصود بذلك قوله تعالى لموسى حين طلب رؤيته {لَنْ تَرََانِي وَلََكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي}

(الأعراف / 144) «فنفى أن يراه وأكد ذلك بأن علقه باستقرار الجبل، ثم جعله دكا، ونبّه بذلك على أن رؤيته له لا تقع لتعليقه اياها بأمر وجد ضده على طريق التبعيد المشهور في مذاهب العرب لأنهم يؤكدون الشيء بما يعلم أنه لا يقع (لا) على جهة الشرط لكن على جهة التبعيد» .

ويبدو أن طلب موسى الرؤية من الله عز وجل بقوله {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}

(الأعراف / 143) كان قد أثار لدى المعتزلة السابقين على القاضي عبد الجبار مشكلة تصدّوا لحلها. هذه المشكلة تتمثل في حل التعارض القائم بين قولهم بأن معرفة توحيد الله وعدله هي معرفة عقلية لا تستند إلى السمع، وبين طلب موسى عليه السلام الرؤية، مما يوهم بجهله وهو النبي المعصوم بصفات الله وما يليق به. وكان أن تصدّى علماء المعتزلة كأبي الهذيل العلاف، وأبي على الجبائي إلى تأويل «النظر» في قوله {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} بأن المقصود به المعرفة الضرورية

التي تزول معها الشبه، وتصل إلى درجة أشبه بالمعرفة اليقينية. كأن موسى عليه السلام طلب من الله أن يعرّفه نفسه معرفة ينجلي عنها الشك كأنها المعرفة الناتجة عن الرؤية والنظر المباشر. ومعنى هذا أن الآيات الواردة في قصة موسى كانت تمثل لدى المعتزلة السابقين متشابها في حاجة إلى التأويل. ويبدو أنها كانت سلاحا في يد خصوم المعتزلة يستدلون بها على جواز رؤية الباري جل وعز بدليل أن موسى عليه السلام طلب رؤيته. وكان خصوم المعتزلة فيما يبدو يحملون دك الجبل من الله وعدم تحقق الرؤية على أن موسى طلب رؤية الله في الدنيا، وهي غير جائزة في رأيهم إلّا في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت