فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 269

ويبدو أن طلب موسى الرؤية من الله عز وجل بقوله {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}

(الأعراف / 143) كان قد أثار لدى المعتزلة السابقين على القاضي عبد الجبار مشكلة تصدّوا لحلها. هذه المشكلة تتمثل في حل التعارض القائم بين قولهم بأن معرفة توحيد الله وعدله هي معرفة عقلية لا تستند إلى السمع، وبين طلب موسى عليه السلام الرؤية، مما يوهم بجهله وهو النبي المعصوم بصفات الله وما يليق به. وكان أن تصدّى علماء المعتزلة كأبي الهذيل العلاف، وأبي على الجبائي إلى تأويل «النظر» في قوله {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} بأن المقصود به المعرفة الضرورية

التي تزول معها الشبه، وتصل إلى درجة أشبه بالمعرفة اليقينية. كأن موسى عليه السلام طلب من الله أن يعرّفه نفسه معرفة ينجلي عنها الشك كأنها المعرفة الناتجة عن الرؤية والنظر المباشر. ومعنى هذا أن الآيات الواردة في قصة موسى كانت تمثل لدى المعتزلة السابقين متشابها في حاجة إلى التأويل. ويبدو أنها كانت سلاحا في يد خصوم المعتزلة يستدلون بها على جواز رؤية الباري جل وعز بدليل أن موسى عليه السلام طلب رؤيته. وكان خصوم المعتزلة فيما يبدو يحملون دك الجبل من الله وعدم تحقق الرؤية على أن موسى طلب رؤية الله في الدنيا، وهي غير جائزة في رأيهم إلّا في الآخرة.

ويتشبث المعتزلة بفكرة التبعيد الموجودة في قوله تعالى: {لَنْ تَرََانِي وَلََكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي.} ومعنى ذلك أن الله علّق رؤية موسى باستقرار الجبل، لا على جهة الشرط، ولكن على جهة التبعيد بأن ذلك لن يحدث. ويستشهدون على فكرة التبعيد هذه بآيات أخرى من القرآن، وبأبيات من الشعر «كما يقول قائلهم: «لا كلمتك ما لاح كوكب أو أضاء فجر» وكما قال الشاعر:

إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب

وكما قال جل وعز: {وَلََا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيََاطِ} وكما قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ السَّمََاوََاتُ وَالْأَرْضُ}

فكذلك قوله: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي} ثم جعله الجبل دكا بيّن به انتفاء الاستقرار، دليل على أن الرؤية لا تقع على وجه».

وهناك فكرة أخرى تؤكد فكرة التبعيد السابقة وهي أن الله قال لموسى:

{لَنْ تَرََانِي} و «لن موضوعة للتأبيد، فقد نفى أن يكون مرئيا البتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه» . وفكرة أن «لن» موضوعة للتأبيد قد يجد الخصوم فيها مطعنا يستدلون عليه من القرآن الكريم، ذلك أن «الله قال حاكيا عن اليهود {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ،} أي لا يتمنون الموت، ثم قال حاكيا عنهم: {يََا مََالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنََا رَبُّكَ قََالَ إِنَّكُمْ مََاكِثُونَ} فكيف يقال: إن لن موضوعة للتأبيد؟

قلنا: إن لن موضوعة للتأبيد ثم ليس يجب أن لا يصح استعماله إلّا حقيقة، بل لا يمتنع أن يستعمل مجازا، وصار الحال فيه كالحال في قولهم أسد وخنزير وحمار، فكما أن موضعها وحقيقتها الحيوانات المخصوصة ثم تستعمل في غيرها على سبيل المجاز والتوسع، واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها، كذلك هاهنا» ومعنى ذلك أن «لن» موضوعة في حقيقتها للتأبيد، ثم قد تستعمل مجازا كما في

الآيات التي يستدل بها الخصوم. وتلتقي فكرة أن «لن» موضوعة للتأبيد، مع فكرة التبعيد المتضمنة في الشرط في الآية، ليستدل بهما المعتزلة على أن رؤية الله مستحيلة. ولكن خصوم المعتزلة يرون في هذه الآيات رأيا آخر. فهم يسلمون بجواز الرؤية على الله، لكنهم لا يرونها جائزة في هذه الحياة الدنيا، ويكون الأمر أنها لم تحدث لأن موسى طلبها في غير أوانها ولهذا تاب موسى من ربه على ذلك وتبرأ من سفاهة قومه. وتوبته وتبرؤه من طلب الرؤية «ليس لأنها غير جائزة على الله ولكن الله تعالى أخبره أنها لا تقع في دار الدنيا والخبر صدق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت