فهرس الكتاب
قلنا: إن لن موضوعة للتأبيد ثم ليس يجب أن لا يصح استعماله إلّا حقيقة، بل لا يمتنع أن يستعمل مجازا، وصار الحال فيه كالحال في قولهم أسد وخنزير وحمار، فكما أن موضعها وحقيقتها الحيوانات المخصوصة ثم تستعمل في غيرها على سبيل المجاز والتوسع، واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها، كذلك هاهنا» ومعنى ذلك أن «لن» موضوعة في حقيقتها للتأبيد، ثم قد تستعمل مجازا كما في
الآيات التي يستدل بها الخصوم. وتلتقي فكرة أن «لن» موضوعة للتأبيد، مع فكرة التبعيد المتضمنة في الشرط في الآية، ليستدل بهما المعتزلة على أن رؤية الله مستحيلة. ولكن خصوم المعتزلة يرون في هذه الآيات رأيا آخر. فهم يسلمون بجواز الرؤية على الله، لكنهم لا يرونها جائزة في هذه الحياة الدنيا، ويكون الأمر أنها لم تحدث لأن موسى طلبها في غير أوانها ولهذا تاب موسى من ربه على ذلك وتبرأ من سفاهة قومه. وتوبته وتبرؤه من طلب الرؤية «ليس لأنها غير جائزة على الله ولكن الله تعالى أخبره أنها لا تقع في دار الدنيا والخبر صدق» .
وإذا كان المعتزلة قد اعتمدوا على فكرتي أن «لن» موضوعة للتأبيد، وأن الشرط في الآية هو على طريقة التبعيد المعروفة في مذاهب العرب، وذلك لكي يؤكدوا استحالة الرؤية على الله استحالة مطلقة، فما زال أمامهم سؤال موسى نفسه الله بقوله: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} وهو سؤال يتناقض مع معرفة موسى العقلية بعدل الله وتوحيده مما يقدح في عصمته كنبي. وهذا التناقض حلّه أبو الهذيل وأبو علي الجبائي بتأويل النظر في الآية على أنه المعرفة كما سبقت الاشارة.
وهذا التأويل معناه أن الآية من المتشابه، ولكن القاضي عبد الجبار شاء أن يحوّل الآية إلى دليل للمعتزلة، ومن ثم وجد نفسه مضطرا إلى رفض تأويل مشايخه، وأخذ الآية على ظاهرها بأن موسى طلب الرؤية. والأساس الذي يستند إليه عبد الجبار أن «النظر» إذا عدي بحرف الجر «إلى» لم يحتمل إلّا النظر، ولا يحتمل المعرفة. يقول: «إن الرؤية إذا قرن اليها النظر وعداه بإلى فالمراد به الرؤية بالبصر. وقد قال سبحانه {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} فلما قرنه بالنظر وعدّاه بإلى وجب حمل ظاهره على الرؤية بالبصر، لأنه لا يصح أن يكون المراد بهذا النظر والفكر، لأنه لا يقال في نظر الفكر ينظر إليه على الحقيقة، وإنما يقال ينظر فيه.
وقد ورد الكتاب بما يدل على ذلك: فقال سبحانه: {يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََابًا مِنَ السَّمََاءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى ََ أَكْبَرَ مِنْ ذََلِكَ فَقََالُوا أَرِنَا اللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصََّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} وقال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى ََ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصََّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} ومتى قرن بالرؤية ذكر الجهرة، فالمراد به رؤية البصر. وذلك يدل على أن موسى صلى الله عليه إنما سأل الرؤية، ومتى حمل سؤاله على هذا الوجه أمكن حمل قوله (أنظر إليك) ، على ظاهره ومتى حمل على أن المراد به العلم احتيج إلى حذف الآيات في الكلام، فيصير في التقدير كأنه قال: رب أرني أنظر إلى الآيات التي عندها أعرفك ضرورة من غير أن يدل الظاهر عليه» وإذا أخذت الآية على ظاهرها بأن موسى طلب رؤية الله حقا، فكيف يتأتّى منه هذا الطلب وهو النبي المعصوم الذي يجب أن يعرف بعقله
ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه؟ هنا ينكر القاضي عبد الجبار أن يكون موسى طلب الرؤية لنفسه، بل دفعه قومه بعنادهم إلى ذلك. إذ هو أعلم بالله وصفاته وتوحيده من أن يسأل هذا السؤال الذي ينمّ عن جهل لا يليق بنبوته «وقد حكي في القصة أن قومه سألوه أن يريهم ربهم جهرة، فأجابهم بأن ذلك يستحيل على الله تعالى، فلم يقنعوا بجوابه، وأحبوا أن يرد الجواب من قبل الله تعالى، فوعدهم بذلك ظنا منه أن الجواب إذا وقع من قبله كان أحسم للشبهة وأكّد في الحجة، فاختار السبعين لحضور الميقات، وهو الذي أراده تعالى بقوله: {وَاخْتََارَ مُوسى ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقََاتِنََا} ووعد قومه بأنه سأله سبحانه الرؤية بحضور السبعين في الميقات، وسأله عز وجل كما وعد، فأجابه بما دلّ به على أن ما سألوه لا يجوز عليه.