فهرس الكتاب
وقد ورد الكتاب بما يدل على ذلك: فقال سبحانه: {يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََابًا مِنَ السَّمََاءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى ََ أَكْبَرَ مِنْ ذََلِكَ فَقََالُوا أَرِنَا اللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصََّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} وقال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى ََ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصََّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} ومتى قرن بالرؤية ذكر الجهرة، فالمراد به رؤية البصر. وذلك يدل على أن موسى صلى الله عليه إنما سأل الرؤية، ومتى حمل سؤاله على هذا الوجه أمكن حمل قوله (أنظر إليك) ، على ظاهره ومتى حمل على أن المراد به العلم احتيج إلى حذف الآيات في الكلام، فيصير في التقدير كأنه قال: رب أرني أنظر إلى الآيات التي عندها أعرفك ضرورة من غير أن يدل الظاهر عليه» وإذا أخذت الآية على ظاهرها بأن موسى طلب رؤية الله حقا، فكيف يتأتّى منه هذا الطلب وهو النبي المعصوم الذي يجب أن يعرف بعقله
ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه؟ هنا ينكر القاضي عبد الجبار أن يكون موسى طلب الرؤية لنفسه، بل دفعه قومه بعنادهم إلى ذلك. إذ هو أعلم بالله وصفاته وتوحيده من أن يسأل هذا السؤال الذي ينمّ عن جهل لا يليق بنبوته «وقد حكي في القصة أن قومه سألوه أن يريهم ربهم جهرة، فأجابهم بأن ذلك يستحيل على الله تعالى، فلم يقنعوا بجوابه، وأحبوا أن يرد الجواب من قبل الله تعالى، فوعدهم بذلك ظنا منه أن الجواب إذا وقع من قبله كان أحسم للشبهة وأكّد في الحجة، فاختار السبعين لحضور الميقات، وهو الذي أراده تعالى بقوله: {وَاخْتََارَ مُوسى ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقََاتِنََا} ووعد قومه بأنه سأله سبحانه الرؤية بحضور السبعين في الميقات، وسأله عز وجل كما وعد، فأجابه بما دلّ به على أن ما سألوه لا يجوز عليه.
وقوله تعالى: {فَلَمََّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قََالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيََّايَ، أَتُهْلِكُنََا بِمََا فَعَلَ السُّفَهََاءُ مِنََّا} يدل على صحة ما قدمناه، لأنه بيّن أن للسفهاء فيما سأل من الاختصاص ما ليس له وللسبعين. وظاهر ذلك يدل على أنه إنّما سأل على لسانهم، وأنهم لم يؤمنوا بأنه جل وعز لا يجوز أن يرى عند جوابه» ويكاد خصوم المعتزلة يتفقون معهم في ذلك، إلّا أنهم لا يستنتجون من هذا الموقف عدم جواز الرؤية على الله، بل يرون أن قوم موسى أخطئوا حين طلبوا رؤية الله في الدنيا، وهي غير جائزة إلّا في الآخرة. أمّا الخطأ الثاني الذي وقع فيه قوم موسى فهو «توقيفهم الايمان عليها حيث قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ألا ترى أن قولهم لن نؤمن لك حتى تفجّر لنا من الارض ينبوعا إنما سألوا فيه جائزا ومع ذلك قرعوا به لاقتراحهم على الله ما لا يتوقف وجوب الايمان عليه» .
وهنا يثور تساؤل يطرح نفسه على المعتزلة ويحاولون الاجابة عليه. إذا كان موسى طلب الرؤية لقومه لا لنفسه لأنه «أعرق في معرفة الله تعالى من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والنظّام وأبي الهذيل والشيخين وجميع المتكلمين» فلماذا نسب السؤال إلى نفسه بقوله: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} ولم يقل مثلا: «رب أرهم ينظرون إليك» ؟ ولماذا جاء جواب الله له (لن تراني) ولم يجيء مثلا «لن يروني» ؟
يورد المعتزلة هذه الأسئلة على أنفسهم ويجيبون عن ذلك ب «أنه لا يمتنع أن يورد السائل عن غيره المسألة على سبيل الاضافة إليه، فيكون الحال في ذلك معقولا لما تقدم من المقدمات، وعلى ذلك يشفع أحدنا إلى غيره لغيره، فيقول: أحب أن تفعل بي كيت وكيت، وأن تقضي حقي فيه، ويجيب المشفوع إليه: بأني قد فعلت ذلك لك وبك، ويكون ذلك صحيحا، وإن كان السؤال عن غيره. وإنما كان كذلك لأن السائل لغيره عن غيره لغرض فيه تكفل بالمشقة لأجل غيره كتكفله بها لأجل نفسه، فتحقق باضافة السؤال إلى نفسه اهتماما بذلك، وإن كان سائلا عن
غيره كاهتمامه إذا كان سائلا لنفسه».