فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 269

يورد المعتزلة هذه الأسئلة على أنفسهم ويجيبون عن ذلك ب «أنه لا يمتنع أن يورد السائل عن غيره المسألة على سبيل الاضافة إليه، فيكون الحال في ذلك معقولا لما تقدم من المقدمات، وعلى ذلك يشفع أحدنا إلى غيره لغيره، فيقول: أحب أن تفعل بي كيت وكيت، وأن تقضي حقي فيه، ويجيب المشفوع إليه: بأني قد فعلت ذلك لك وبك، ويكون ذلك صحيحا، وإن كان السؤال عن غيره. وإنما كان كذلك لأن السائل لغيره عن غيره لغرض فيه تكفل بالمشقة لأجل غيره كتكفله بها لأجل نفسه، فتحقق باضافة السؤال إلى نفسه اهتماما بذلك، وإن كان سائلا عن

غيره كاهتمامه إذا كان سائلا لنفسه».

ويورد المعتزلة على أنفسهم سؤالا آخر، أو ربما أورد هذا السؤال خصومهم، فحواه: إذا كان موسى لم يسأل الرؤية لنفسه، بل سألها لقومه على طريقة التشفع، فلماذا تاب عن هذا السؤال، والتوبة لا تصح إلّا من فعل نفسه؟ وتكون الاجابة أن موسى تاب عن ذلك، لأنه سأل الله بحضرة القوم من غير إذن، ولا يجوز من الأنبياء أن يسألوا الله تعالى بحضرة الأمة من غير إذن سمعي، لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح أن يجابوا، فيكون ذلك تنفيرا عن قبول الأمة».

ولعل في كل ما أوردناه في قصة موسى من حوار بين المعتزلة وخصومهم ما يبين تنازعهم في الاستدلال بهذه القصة كل لصالح وجهة نظره. فالمعتزلة في بادئ الأمر أنكروا أن يكون موسى عليه السلام طلب الرؤية، حتى اضطر أبو الهذيل العلاف وأبو علي الجبائي إلى تأويل النظر في قوله {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} بأنه المعرفة. ولم يسلم القاضي عبد الجبار بهذا التأويل من مشايخه، ربما لأن قول الله {لَنْ تَرََانِي} اجابة لهذا الطلب، يؤكد أن موسى طلب الرؤية، ومن ثم أخذ الآية على ظاهرها بناء على أن «النظر» إذا عدي بحرف الجر «إلى» لم يحتمل إلّا الرؤية.

ومعنى ذلك كما أسلفنا أن الآية كانت تمثل لدى المعتزلة متشابها يحتاج للتأويل.

ولكن القاضي عبد الجبار حوّلها إلى محكم يستدل به المعتزلة على عدم جواز الرؤية على الله عز وجل. واضطرهم ذلك إلى الرد على الاعتراضات الأخرى حول نسبة سؤال موسى إلى نفسه لا إلى قومه، وحول تبرير توبة موسى من هذا السؤال

الخ كل ذلك.

وإذا كان القاضي عبد الجبار قد رفض تأويل مشايخه للآية على أساس أن موسى قد طلب رؤية الله حقا، ونفى في نفس الوقت أن يكون قد طلب الرؤية لنفسه، بل دفعه قومه إلى هذا الطلب، فطلبه لقومه ونسبه لنفسه على طريقة التشفع، وبذلك نقل الآية من أن تكون دليلا للخصوم وجعلها دليلا للمعتزلة عليهم. إذا كان القاضي عبد الجبار قد فعل ذلك، فإن جار الله الزمخشري لم يسلك هذا المسلك، بل قبل التأويلين معا دون أن ينصر أحدهما على الآخر. ولعل هذا المسلك من الزمخشري يفسّره أنه ليس متكلما بقدر ما هو مفسّر يجمع آراء المعتزلة في تفسير الرؤية دون أن يناقش هذه الآراء، وذلك على عكس القاضي عبد الجبار الذي هو متكلم في المقام الأول يعنيه رفع التناقض فيما يراه من آراء مشايخه وذلك في وجه الاعتراضات التي وردت أو يمكن أن ترد على آراء هؤلاء المشايخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت