فهرس الكتاب
ينتقل المعتزلة بعد تقرير وجهة نظرهم، ودفع الاعتراضات على الآيات التي يعتبرونها محكمة تردّ إليها المتشابهات التي هي أدلة الخصوم، ينتقلون بعد ذلك إلى أدلة الخصوم السمعية، سواء من جهة الحديث النبوي الشريف أو القرآن الكريم فيستخدمون سلاح التأويل لتخلص لهم وجهة نظرهم في نفي مشابهة الله للبشر وتقرير أصل التوحيد تقريرا كاملا.
وفيما يتصل بالأحاديث النبوية التي يوهم ظاهرها جواز رؤية الباري عز وجل، لا يجد المعتزلة كبير عناء في ردها. والأساس الذي يستندون إليه في رد هذه الأحاديث أنها أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في أصول الدين وإن أخذ بها في فروعه. غير أنهم من جانب آخر قد يلجئون إلى تأويل ما ورد فيها تأويلا يتفق مع أصول مذهبهم. أو إلى معارضة هذه الأحاديث بأحاديث أخرى تتفق مع ما يذهبون إليه. ومعنى ذلك أن هناك ثلاث وسائل في مواجهة الحديث النبوي الذي يستند إليه الخصوم فيما يذهبون إليه من جواز الرؤية على الله.
الوسيلة الأولى هي رفض هذه الأحاديث باعتبارها آحاد «ولا يجوز قبول ذلك فيما طريقه العلم، لأن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط فيما يخبر به، ويصح كونه كاذبا فيه، ولا يجوز أن ندين ونقطع على الشيء من وجه يجوز الغلط فيه، لأنا لا نأمن بالاقدام على اعتقاده من أن يكون جهلا، ولا نأمن أن تكون أخبارنا كذبا. وإنما يعمل بأخبار الآحاد في فروع الدين، وما يصح أن يتبع العمل فيه غالب الظن، فأمّا ما عداه فإن قبوله فيه لا يصح، ولذلك لا يرجع إليه في معرفة التوحيد والعدل وسائر أصول الدين، وذلك يبطل تعلقهم بهذه الأخبار لو كانت صحيحة السند سليمة من الطعن في الرواة، فكيف وقد طعن أهل العلم في رواتها، وذكروا من حالهم ما يمنع من الرجوع إلى خبرهم» .
أمّا السلاح الثاني في مواجهة الخصوم حين يستشهدون بالأحاديث النبوية وذلك بعد دفع هذه الأحاديث على اعتبار أنها أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في أصول العلم فهو أن تعارض بأحاديث أخرى تؤكد وجهة النظر الاعتزالية في نفي الرؤية عن الله جل وعز «وهو ما روي عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة» وما روي عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لرسول الله: «هل رأيت ربك؟ قال: نور أنىّ أراه» يعني لا أراه، كقوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ أَنََّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ،} وما روي عن الشعبي عن عبد الله بن الحرث، عن كعب، أنه كان يقول: إن الله
قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد فكلّم موسى مرتين ورآه محمد مرتين فأتى مسروق عائشة، فقال: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله لقد قف شعري مما قلته ثلاثا، من حدثك بهذا فقد كذب، من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. قال الله تعالى {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ} وقال: {مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللََّهُ إِلََّا وَحْيًا} ومن حدثك أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب. وقد روى مسروق عن عائشة أنه قال لها: أليس الله يقول في كتابه {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ََ} فقالت: أنا أول هذه الأمة، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ذلك جبريل رأيته في صورته التي خلقه الله عليها مرتين» الخ كل هذه الأحاديث التي يعارض بها المعتزلة أحاديث خصومهم في هذه القضية. وليس يعنينا الكشف هنا عن مدى صدق هذه الأحاديث من ناحية السند أو المتن، بقدر ما يعنينا أن نرصد طريقة المعتزلة في الرد ومنازعة الخصوم. والمعتزلة أنفسهم لا يعولون كثيرا على الحديث فيما يتصل بأصول العقائد فيكفي أن تكون هذه الأحاديث «معارضة لما نقلوه، وإن لم تزد في الظهور على تلك لم تنقص منه، فلم صار التعلق بتلك أولى من هذه؟ ويجب عند تعارضهما الرجوع إلى ما دلّ عليه العقل والكتاب لو ثبت أن أخبار الآحاد تقبل» .