فهرس الكتاب
أمّا السلاح الثاني في مواجهة الخصوم حين يستشهدون بالأحاديث النبوية وذلك بعد دفع هذه الأحاديث على اعتبار أنها أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في أصول العلم فهو أن تعارض بأحاديث أخرى تؤكد وجهة النظر الاعتزالية في نفي الرؤية عن الله جل وعز «وهو ما روي عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة» وما روي عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لرسول الله: «هل رأيت ربك؟ قال: نور أنىّ أراه» يعني لا أراه، كقوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ أَنََّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ،} وما روي عن الشعبي عن عبد الله بن الحرث، عن كعب، أنه كان يقول: إن الله
قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد فكلّم موسى مرتين ورآه محمد مرتين فأتى مسروق عائشة، فقال: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله لقد قف شعري مما قلته ثلاثا، من حدثك بهذا فقد كذب، من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. قال الله تعالى {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ} وقال: {مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللََّهُ إِلََّا وَحْيًا} ومن حدثك أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب. وقد روى مسروق عن عائشة أنه قال لها: أليس الله يقول في كتابه {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ََ} فقالت: أنا أول هذه الأمة، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ذلك جبريل رأيته في صورته التي خلقه الله عليها مرتين» الخ كل هذه الأحاديث التي يعارض بها المعتزلة أحاديث خصومهم في هذه القضية. وليس يعنينا الكشف هنا عن مدى صدق هذه الأحاديث من ناحية السند أو المتن، بقدر ما يعنينا أن نرصد طريقة المعتزلة في الرد ومنازعة الخصوم. والمعتزلة أنفسهم لا يعولون كثيرا على الحديث فيما يتصل بأصول العقائد فيكفي أن تكون هذه الأحاديث «معارضة لما نقلوه، وإن لم تزد في الظهور على تلك لم تنقص منه، فلم صار التعلق بتلك أولى من هذه؟ ويجب عند تعارضهما الرجوع إلى ما دلّ عليه العقل والكتاب لو ثبت أن أخبار الآحاد تقبل» .
أمّا السلاح الثالث في مواجهة الأحاديث التي يستشهد بها الخصوم فهو سلاح التأويل، وهو نفس السلاح الحاد الذي يواجه به المعتزلة الآيات التي يستشهد بها الخصوم على صحة قولهم من القرآن الكريم. غير أن التأويل في مواجهة النصوص القرآنية هو السلاح الوحيد، وإن كان في مواجهة الأحاديث النبوية سلاحا من أسلحة عديدة، بل هو آخر هذه الأسلحة. خصوصا إذا اتصل الأمر بأصولهم العقلية. وليس ببعيد تأويلهم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل «هل رأيت ربك فقال: نور أنّى أراه» حيث أوّلت «أنّى» بمعنى «لا» واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى {بَدِيعُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ أَنََّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} وهذه القراءة لا تسلم للمعتزلة تماما، فأهل السنة يوردون الحديث على أن «أنّى» ظرف لا نفي وعلى أي حال فتأويل منطوق الحديث بما يتفق مع الأصول مسلك اعتزالي مشروع. وبنفس الطريقة يؤول المعتزلة الأحاديث التي وردت ويفيد ظاهرها الرؤية، على أن الرؤية فيها بمعنى العلم لا رؤية العين «على أن شيوخنا قد بيّنوا أن خبر جرير لو صحّ لكان له تأويل سليم على قولنا وهو أنه أراد بقوله: (ترون ربكم) تعلمون ربكم، لأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم في اللغة. يبين ذلك قوله جل وعز: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعََادٍ} و {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحََابِ الْفِيلِ،} وقوله {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرََاهُ قَرِيبًا،} وهو تعالى يعني البعث، وقول المسلمين: اللهم أرنا الحق
حقا فنتبعه، والباطل باطلا فنجتنبه. وقد ذكر أهل اللغة في كتبهم أن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تعدّت إلى مفعولين وإذا كانت بمعنى الادراك لم تتعد إلّا إلى مفعول واحد. فإذا صحّ ذلك، وأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم، لم يمتنع أن يكون المراد بقوله ترون ربكم (تعلمون ربكم) كما تعلمون القمر ليلة البدر، ويكون هذا أصح لأنه إن حمل على أنه أراد يدركونه كما يدركون القمر فيجب أن يدرك في جهة مخصوصة كالقمر، فثبت أن وجه التشبيه فيه، إذا حمل على العلم من حيث شاركه في أنه ضروري، أصح».