فهرس الكتاب
أمّا السلاح الثالث في مواجهة الأحاديث التي يستشهد بها الخصوم فهو سلاح التأويل، وهو نفس السلاح الحاد الذي يواجه به المعتزلة الآيات التي يستشهد بها الخصوم على صحة قولهم من القرآن الكريم. غير أن التأويل في مواجهة النصوص القرآنية هو السلاح الوحيد، وإن كان في مواجهة الأحاديث النبوية سلاحا من أسلحة عديدة، بل هو آخر هذه الأسلحة. خصوصا إذا اتصل الأمر بأصولهم العقلية. وليس ببعيد تأويلهم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل «هل رأيت ربك فقال: نور أنّى أراه» حيث أوّلت «أنّى» بمعنى «لا» واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى {بَدِيعُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ أَنََّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} وهذه القراءة لا تسلم للمعتزلة تماما، فأهل السنة يوردون الحديث على أن «أنّى» ظرف لا نفي وعلى أي حال فتأويل منطوق الحديث بما يتفق مع الأصول مسلك اعتزالي مشروع. وبنفس الطريقة يؤول المعتزلة الأحاديث التي وردت ويفيد ظاهرها الرؤية، على أن الرؤية فيها بمعنى العلم لا رؤية العين «على أن شيوخنا قد بيّنوا أن خبر جرير لو صحّ لكان له تأويل سليم على قولنا وهو أنه أراد بقوله: (ترون ربكم) تعلمون ربكم، لأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم في اللغة. يبين ذلك قوله جل وعز: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعََادٍ} و {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحََابِ الْفِيلِ،} وقوله {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرََاهُ قَرِيبًا،} وهو تعالى يعني البعث، وقول المسلمين: اللهم أرنا الحق
حقا فنتبعه، والباطل باطلا فنجتنبه. وقد ذكر أهل اللغة في كتبهم أن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تعدّت إلى مفعولين وإذا كانت بمعنى الادراك لم تتعد إلّا إلى مفعول واحد. فإذا صحّ ذلك، وأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم، لم يمتنع أن يكون المراد بقوله ترون ربكم (تعلمون ربكم) كما تعلمون القمر ليلة البدر، ويكون هذا أصح لأنه إن حمل على أنه أراد يدركونه كما يدركون القمر فيجب أن يدرك في جهة مخصوصة كالقمر، فثبت أن وجه التشبيه فيه، إذا حمل على العلم من حيث شاركه في أنه ضروري، أصح».
غير أن تأويل الرؤية بمعنى العلم في الحديث السابق يحتاج إلى تأويل آخر، ذلك أن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين، وإذا كانت بمعنى الادراك لم تتعد إلّا إلى مفعول واحد كما ذكر أهل اللغة الذين يروي عنهم القاضي عبد الجبار في النص السابق. وإذا كان القاضي عبد الجبار لم يحل هذا الاشكال الذي أورده على نفسه، واكتفى بالدليل العقلي على أساس أن حمل «ترون» في الحديث على الادراك يقتضي الادراك في جهة مخصوصة كما يدرك القمر في جهة مخصوصة، إذا كان القاضي عبد الجبار لم يحل الاشكال اللغوي واكتفى باقامة تأويله على أساس عقلي، فإنه في مكان آخر يتنبّه إلى هذا الاشكال ويحاول حلّه. أو لعل شارح كتابه والمعلق عليه هو الذي أحس بالاشكال ورد عليه «فإن قالوا:
الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين، نحو رأيت فلانا فاضلا، ولا يجوز الاقتصار على أحد مفعوليه إلّا إذا كان بمعنى المشاهدة، قلت: لا يمتنع أن يكون الأصل ما ذكرتموه، ثم يقتصر على أحد مفعوليه توسعا ومجازا، كما أن همزة التعدية إذا دخلت في الفعل الذي يتعدّى إلى مفعولين، تقتضي تعديه إلى ثلاثة مفاعيل، ثم قد تدخل على الفعل الذي هذا حاله ويقتصر على مفعولين، ولهذا قال تعالى:
{أَرِنََا مَنََاسِكَنََا} فأدخل الهمزة على الرؤية، واقتصر على مفعولين. على أن حال الرؤية إذا كانت بمعنى العلم ليس بأكثر من حال العلم، ومعلوم أنهم يقتصرون في العلم على أحد مفعولين فيقولون أعلم ما في نفسك، ولهذا قال تعالى: {تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَلََا أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ} فإن قال: إن العلم هاهنا بمعنى المعرفة، فلهذا جاز أن يقتصر على أحد المفعولين، قلنا: فارض منا بمثل هذا الجواب».
وهذا الرد يتضمن ثلاث وسائل لغوية: الوسيلة الأولى أن اقتصار «الرؤية» بمعنى العلم على مفعول واحد توسع ومجاز. والشاهد على ذلك أن همزة التعدية إذا دخلت على الفعل الذي يتعدّى إلى مفعولين تعديه إلى ثلاثة مفاعيل، لكنها قد تدخل عليه ويعدّى إلى مفعولين فقط كما هو الأصل كما في قوله تعالى: {أَرِنََا مَنََاسِكَنََا} (البقرة: 128) . الوسيلة الثانية أن حال الرؤية كحال العلم، وأن
الفعل «علم» قد يعدّى إلى مفعول واحد فلذلك جاز أن يعدّى الفعل «يرى» بمعنى «علم» إلى مفعول واحد حسب معناه. فإن قيل إن الفعل «علم» في قوله تعالى {تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَلََا أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ} بمعنى «عرف» ولهذا عدي إلى مفعول واحد، يلجأ المعتزلة إلى وسيلة ثالثة وهو أن «ترون» في الحديث بمعنى «تعرفون» ولذلك فأنت تعديته إلى مفعول واحد صحيحة.