ومن الضروري الاشارة إلى ما أثارته بعض محتويات الصور القرآنية التي عبر عنها بالمثل من الجدل والاستنكار من غير المسلمين. وقد عبر القرآن نفسه عن هذا الاعتراض بقوله تعالى: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مََا بَعُوضَةً فَمََا}
{فَوْقَهََا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اللََّهُ بِهََذََا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وَمََا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفََاسِقِينَ}
(البقرة / 26) وتنسب الروايات إلى عمر بن الخطاب أنه لم يفهم معنى بعض الآيات التي سيقت مساق المثل. ويتساءل عن معنى قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنََابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهََارُ، لَهُ فِيهََا مِنْ كُلِّ الثَّمَرََاتِ وَأَصََابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفََاءُ، فَأَصََابَهََا إِعْصََارٌ فِيهِ نََارٌ فَاحْتَرَقَتْ}
(البقرة / 266) . ولكن أحدا من الحاضرين لم يستطع أن يفسّر له معنى هذه الآية «حتى قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين، اني أجد في نفسي منها شيئا.
قال: فتلفت إليه فقال: تحول هاهنا، لم تحقر نفسك؟ قال: هذا مثل ضربه الله عز وجل فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره واقترب أجله، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله، فحرقه أحوج ما يكون اليه» وهذه الرواية، إن صحّت، ولم تكن مجرد رغبة من الرواة لبيان فضل ابن عباس وعلمه، تعدّ دلالة على تلك الجدة الأسلوبية التي أثارت اعجاب العرب وحيرتهم في نفس الوقت، حتى اضطربوا في تحديد تلك الخاصية المميزة للقرآن، ومن ثم حاولوا ربطه بالشعر والسحر والكهانة. والآية في سياقها العام لا تخرج عن فهم ابن عباس لها، وكلمة «المثل» ترد في صدر الآية التي قبلها.
وإلى جانب مصطلح «المثل» يرد مصطلح «الكناية» في تفسير ابن عباس قريبا جدا من معناه البلاغي، بل إن ابن عباس يلمح الفارق بين التعبير المباشر والكناية، وذلك عند ما يفسر كلمات مثل «الرفث» و «المباشرة» و «المس» بقوله إنها تعنى «الجماع ولكن الله كريم يكني ما شاء بما يشاء» وبذلك يلمح من بعيد وظيفة التعبير بالكناية، وترك المعنى المباشر الذي قد يخدش الحياء، أو يصدم الشعور، أو ترى فيه الجماعة عيبا لا يجب التفوه به صراحة. ولكن هذا المصطلح يرد على قلة، على عكس مصطلح «المثل» الذي يرد كثيرا.
ومن الضروري الاشارة إلى أن اجتهادات ابن عباس في تفسير النص القرآني، لم تكن بعيدة عن جو التأويل والجدل الديني الذي بدأ بانشقاق الخوارج على علي ابن أبي طالب نتيجة رفضهم لمبدأ التحكيم. ولقد كان ابن عباس فيما يقال هو رسول علي بن أبي طالب لمجادلة الخوارج ومحاولة إقناعهم بخطإ موقفهم وصحة موقف علي. ولم يخل هذا الجدل من الاستشهاد بالقرآن من كلا الطرفين على صحة موقفه واتساقه مع معطيات القرآن، حتى تحوّل النزاع على مستوى
الجدل الديني إلى فهم النص القرآني نفسه والاستدلال به. وهذا كله ما جعل علي بن أبي طالب ينهى ابن عباس عن مجادلة الخوارج بالقرآن «فخاصمهم ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ولكن خاصمهم بالسنّة» . ولكن ابن عباس فيما يبدو لم يكن في موقف الاختيار. والذي نودّ أن نشير إليه إن صحّت الرواية أن هذا الاحساس المبكر بتعدد الوجوه في التعبير القرآني ينبئ عن تصور ما لا مكانية تعدد الدلالة. وابن عباس هو الذي يتهم الخوارج بقصور الفهم والعجز عن ادراك معاني القرآن فقد «ذكر عنده الخوارج وما يلفون عند القرآن قال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه» .