غير أن المعتزلة شغلتهم إلى جانب ذلك مهمة الدفاع عن الاسلام ضد مهاجميه من أبناء الأديان الأخرى، وكان عليهم من ثمّ أن ينظموا وسائلهم الاستدلالية لاقامة أفكارهم على أساس معرفي مكين. وكان الاعلاء من شأن العقل هو وسيلتهم لتحقيق الغايتين معا، إلى جانب ما يؤدي إليه هذا الاعلاء من التسوية بين البشر، وإلى عدم التفرقة بينهم على أساس الجنس أو الثروة. وإذا كان القرآن نفسه قد أعلى من شأن العقل والفكر، فقد كان للمعتزلة الفضل الأكبر في الانطلاق من هذا الأساس إلى آفاق أرحب، حيث انتهوا إلى أن العقل هبة من الله وهبها جميع البشر دون تمييز، وجعلوه أساسا للتكليف ومقدمة ضرورية له. والعقل عند المعتزلة هو مجموعة من العلوم الضرورية التي يخلقها الله في المكلّف، وهي علوم لا ينفكّ عنها الانسان ولا يشك في متعلقها. هذه العلوم الضرورية هي الأساس الذي يستطيع الانسان به الوصول إلى المعرفة، وذلك عن طريق التفكير والنظر في الادلّة. وحين قارن المعتزلة بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية انتهوا إلى
اثبات المعرفة الحسية إذا كانت تؤدي إلى سكون النفس إلى ما تتناوله من المدركات. وقامت هذه النظرة عندهم على أساس أن الادراك عملية محايدة من جانب المدرك لا تؤثر فيما يدركه سلبا أو ايجابا. أمّا المعرفة العقلية فهي تلك التي تتم عن طريق النظر في الأدلّة نظرا صحيحا. وبهذا النظر يستطيع الانسان الانتقال من العقل الفطري العلوم الضرورية إلى العلوم النظرية، وهي المعرفة.
ولقد كان من الطبيعي أن تتحدد وظيفة المعرفة عند المعتزلة بأنها معرفة الله بصفاته من التوحيد والعدل، ثم معرفة أوامره ونواهيه، وذلك حتى يستطيع أداء ما كلفه الله به من الأعمال التي تؤدّي به إلى الثواب، وتنجيه من العقاب. ونتيجة لذلك انقسمت الأدلّة عندهم إلى أنواع ثلاثة، يؤدي كل نوع منها إلى مرحلة من مراحل المعرفة الدينية. فالنوع الأول من الأدلّة هو الذي يدلّ بالوجوب، وذلك كدلالة الفعل على الفاعل. وهذا النوع من الأدلّة هو الذي يؤدي إلى التوحيد.
والنوع الثاني من الأدلّة هو الذي يدلّ بالدواعي والاختيار، وهذا النوع هو الذي يؤدّي إلى معرفة أفعال الله، ويؤدي بنا إلى معرفة عدله. والنوع الثالث من الأدلّة هو الذي يدلّ بالمواضعة والقصد، وذلك كدلالة الكلام على ما يدل عليه. وهذا النوع يؤدّي بنا إلى معرفة كلام الله وأوامره ونواهيه.
ولقد انتهى المعتزلة إلى أن هذه الأنواع الثلاثة يترتب بعضها على بعض ترتب النتيجة على المقدمة، بمعنى أن كلام الله لا يقع دلالة إلّا بعد معرفة صفاته من التوحيد والعدل.
ولقد كان من الطبيعي أن يختلف الأشاعرة مع المعتزلة في ترتيبهم أدلّة الشرع على أدلّة العقل. ومن ثمّ اعتبروا كلام الله دالّا بمفرده على ما يدل عليه.
وقد انعكس هذا الخلاف بدوره على شروط الدلالة اللغوية، حيث اشترط المعتزلة إلى جانب المواضعة معرفة قصد المتكلم وحاله لوقوع كلامه دلالة.
وهذا شرط لم يشر له الأشاعرة من قريب أو من بعيد. وإذا كان المعتزلة والأشاعرة قد اتفقوا على أن المواضعة شرط لدلالة الكلام فقد اختلفوا في أصل المواضعة على اللغة، هل هي توقيف من الله أم اصطلاح؟ وكان هذا الخلاف بدوره امتدادا لخلافهم حول قدم القرآن وحدوثه. فقول الأشاعرة بقدم القرآن أدّى بهم إلى أن المواضعة أصلها التوقيف من الله، وذلك لاعتبارهم الكلام صفة ذاتية قديمة. وعلى العكس من ذلك ذهب المعتزلة تأسيسا على أن الكلام صفة من صفات الفعل لا من صفات الذات. ومن جهة أخرى فقد ربط المعتزلة بين المواضعة والاشارة الحسية، وهي إشارة لا تجوز على الله، ولذلك ذهبوا إلى أن المواضعة اللغوية
اصطلاح وليست توقيفا. ولقد حدّد القاضي عبد الجبار الغاية من المواضعة اللغوية بأنها الإخبار عن الأشياء حالة غيابها عن الحواس أو الإخبار عن تلك الأشياء التي لا تظهر للحس أصلا. وهي بذلك تعدّ بديلا للاشارة الحسية. وحين قارن بين المواضعة على الكلام، والمواضعة على الحركات أو الاشارات، انتهى إلى أن البشر تواضعوا على الكلام الأصوات لأنها أكثر اتساعا للتعبير عن حاجات الناس دون الحركات والاشارات.