فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 269

وهذا شرط لم يشر له الأشاعرة من قريب أو من بعيد. وإذا كان المعتزلة والأشاعرة قد اتفقوا على أن المواضعة شرط لدلالة الكلام فقد اختلفوا في أصل المواضعة على اللغة، هل هي توقيف من الله أم اصطلاح؟ وكان هذا الخلاف بدوره امتدادا لخلافهم حول قدم القرآن وحدوثه. فقول الأشاعرة بقدم القرآن أدّى بهم إلى أن المواضعة أصلها التوقيف من الله، وذلك لاعتبارهم الكلام صفة ذاتية قديمة. وعلى العكس من ذلك ذهب المعتزلة تأسيسا على أن الكلام صفة من صفات الفعل لا من صفات الذات. ومن جهة أخرى فقد ربط المعتزلة بين المواضعة والاشارة الحسية، وهي إشارة لا تجوز على الله، ولذلك ذهبوا إلى أن المواضعة اللغوية

اصطلاح وليست توقيفا. ولقد حدّد القاضي عبد الجبار الغاية من المواضعة اللغوية بأنها الإخبار عن الأشياء حالة غيابها عن الحواس أو الإخبار عن تلك الأشياء التي لا تظهر للحس أصلا. وهي بذلك تعدّ بديلا للاشارة الحسية. وحين قارن بين المواضعة على الكلام، والمواضعة على الحركات أو الاشارات، انتهى إلى أن البشر تواضعوا على الكلام الأصوات لأنها أكثر اتساعا للتعبير عن حاجات الناس دون الحركات والاشارات.

وانتهى القاضي إلى أن المواضعة على الأسماء مجرد مواضعة عرفية، بمعنى أن العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة إشارية بحتة، والجماعة بقصدها هي التي تقيم هذه العلاقة، وهي العلاقة التي نشير إليها اليوم باسم المعنى. وحين انتقل القاضي إلى اللغة على مستوى التركيب ربط بين قصد المتكلم والمعنى الذي يدل عليه كلامه. وكان هذا الربط نتيجة طبيعة لدوران هذه المباحث كلها في اطار الفكر الديني، الذي يسعى إلى معرفة الله بتوحيده وعدله وقصده من كلامه. وإذا كانت معرفة قصد المتكلم شرطا أساسيا لمعرفة ما يدل عليه كلامه، فلا مانع والحالة هذه من وقوع الاشتراك والاتساع والمجاز في الكلام. فذلك كله لن يؤدّي لاستغلاق معنى الكلام، لأن معرفتنا بقصد المتكلم وحاله تجعلنا قادرين على فهم ما يريد التعبير عنه. وكان هذا كله دفاعا عن وجود المجاز في القرآن كلام الله ونفي صفة الكذب عنه.

ولقد تحدّد مفهوم المجاز نفسه باعتباره قسيما للحقيقة على يد المعتزلة ابتداء من الجاحظ. ولا شك أنهم قد استفادوا من جهود المفسّرين واللغويين حول النص القرآني. وإذا كان المصطلح نفسه لم يرد في القرآن، لا بمعناه اللغوي أو الاصطلاحي، فقد كان مصطلح «المثل» هو المصطلح البديل في مرحلة نشأة التفسير الذي ارتبط بالخلاف حول تأويل النص القرآني بين الفرق المختلفة. وكان ورود هذا المصطلح بكثرة في القرآن بمثابة اعطاء شرعية له ليستخدم في الدلالة على عدم إرادة المعنى الحرفي للفظ أو العبارة. ومع نمو حركة التفسير والتأويل تحددت عناصر المجاز وأنواعه المختلفة كالكناية والتشبيه والاستعارة والحذف وغيرها. ولم ينفصل هذا التحديد عن الغاية التأويلية للنص القرآني. ومما له دلالته في هذا الصدد أن أول كتاب اتخذ «المجاز» عنوانا له، هو كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة الخارجي. وهو كتاب يتعرّض لتأويل آيات كثيرة تأويلا يتفق في عمومه مع معطيات الفكر الاعتزالي، خصوصا أفكار التوحيد والتنزيه التي التقى فيها الخوارج مع

المعتزلة. وإذا كان أبو عبيدة قد استخدم مصطلح «المجاز» بمعنى عام جدا يشمل كل تغير في الاسلوب، فإن معاصره الفراء وله ميول اعتزالية واضحة كان أكثر تحديدا في استخدام المصطلح، وذلك رغم مدخله النحوي عموما، ورغم أنه لم يستخدم كلمة «مجاز» واستخدم منها صيغة الفعل «تجوز» . ورغم التداخل بين المصطلحات في مؤلفات الجاحظ، فإنه يعدّ أول من حدد مفهوم المجاز باعتباره قسيما للحقيقة، وأدخل في عناصره التشبيه والمثل والاستعارة والكناية والحذف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت