ولقد تحدّد مفهوم المجاز نفسه باعتباره قسيما للحقيقة على يد المعتزلة ابتداء من الجاحظ. ولا شك أنهم قد استفادوا من جهود المفسّرين واللغويين حول النص القرآني. وإذا كان المصطلح نفسه لم يرد في القرآن، لا بمعناه اللغوي أو الاصطلاحي، فقد كان مصطلح «المثل» هو المصطلح البديل في مرحلة نشأة التفسير الذي ارتبط بالخلاف حول تأويل النص القرآني بين الفرق المختلفة. وكان ورود هذا المصطلح بكثرة في القرآن بمثابة اعطاء شرعية له ليستخدم في الدلالة على عدم إرادة المعنى الحرفي للفظ أو العبارة. ومع نمو حركة التفسير والتأويل تحددت عناصر المجاز وأنواعه المختلفة كالكناية والتشبيه والاستعارة والحذف وغيرها. ولم ينفصل هذا التحديد عن الغاية التأويلية للنص القرآني. ومما له دلالته في هذا الصدد أن أول كتاب اتخذ «المجاز» عنوانا له، هو كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة الخارجي. وهو كتاب يتعرّض لتأويل آيات كثيرة تأويلا يتفق في عمومه مع معطيات الفكر الاعتزالي، خصوصا أفكار التوحيد والتنزيه التي التقى فيها الخوارج مع
المعتزلة. وإذا كان أبو عبيدة قد استخدم مصطلح «المجاز» بمعنى عام جدا يشمل كل تغير في الاسلوب، فإن معاصره الفراء وله ميول اعتزالية واضحة كان أكثر تحديدا في استخدام المصطلح، وذلك رغم مدخله النحوي عموما، ورغم أنه لم يستخدم كلمة «مجاز» واستخدم منها صيغة الفعل «تجوز» . ورغم التداخل بين المصطلحات في مؤلفات الجاحظ، فإنه يعدّ أول من حدد مفهوم المجاز باعتباره قسيما للحقيقة، وأدخل في عناصره التشبيه والمثل والاستعارة والكناية والحذف.
واستطاع الرماني أن يبلور كثيرا من جوانب التأثير النفسي الذي تحدثه العبارة المجازية، تلك الآثار التي تعجز العبارة الحقيقية عن التعبير عنها. وتفرّد الرماني بالتركيز على جانب التأثير النفسي للتعبير المجازي يعدّ نتيجة طبيعية لانشغاله بالبحث عن أوجه الاعجاز في القرآن، وعدم انشغاله بالغايات التأويلية والدفاعية التي انشغل بها سابقوه. غير أن الرماني وهو معتزلي لم يكن بعيدا تماما عن الغاية التأويلية، ولكنها جاءت هامشية في كتابه، ولم يضع فيها جهده كله.
ولم ينفصل البحث في المجاز عند القاضي عبد الجبار عن تصوره لطبيعة اللغة وشروط دلالتها. ولقد انتهى إلى جواز وقوع المجاز في الاسم المفرد وفي التركيب معا. غير أنه اشترط في الاسم المفرد أن يكون له حقيقة أولا قبل نقله من معناه الحقيقي لمعنى مجازي، كما اشترط وجود مشابهة بين المعنى المنقول إليه اللفظ، والمعنى المنقول عنه.
وعلى مستوى التركيب أجاز وقوع المجاز في الكلام، ما دامت معرفة قصد المتكلم ستؤدي بنا إلى معرفة مراده. وفي هذا الصدد فرق القاضي بين المتكلم في الشاهد، والمتكلم في الغائب وهو الله وذهب إلى أن معرفتنا بقصد المتكلم في الشاهد هي معرفة اضطرار. وعلى عكس ذلك معرفتنا بقصد الله فهي معرفة نظرية استدلالية. وإذا كانت معرفتنا بعدل الله وهي قصده في أفعاله عموما معرفة عقلية لا تستند إلى الشرع، فإن معرفتنا بكلامه والكلام فعل من أفعاله لا تتم إلّا بعد معرفة قصده. فإذا ورد في كلامه ما يوهم التناقض مع معرفتنا العقلية بقصده، كان ذلك مجازا. وهكذا يصبح المجاز وسيلة لرفع التناقض الظاهري بين كلام الله، وبين معرفتنا العقلية بعدله وتوحيده. أو بمعنى آخر يصبح المجاز وسيلة للتأويل وأداة رئيسية له. ومن الطبيعي والحالة هذه أن يتسع المجاز ليشمل كل ما اندرج تحته من عناصر تصويرية أو أسلوبية.
ولقد وجد المعتزلة في تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه وسيلة دينية شرعية للتأويل، رغم أنهم أخضعوا دلالة القرآن كله للدليل العقلي. وكان من الطبيعي أن
تكون الآيات التي تسند وجهة نظرهم وأفكارهم العقلية محكمة، وأن تكون تلك التي يستدل بها خصومهم متشابهة في حاجة للتأويل. وسلك خصوم المعتزلة نفس مسلكهم. وكان القول بالمجاز عند كليهما وسيلة للتأويل واخراج النص عن ظاهره. وحين يعجز المعتزلة عن تأويل النص استنادا إلى تركيبه اللغوي، يلجئون إلى الاستناد إلى الدليل العقلي. وكلا الدليلين عندهم سواء في تأويل النص القرآني. وقد اتضح ذلك كله في تأويل الآيات التي تتصل بقضيتي رؤية الله وخلق الأفعال، وهما القضيتان اللتان أخذناهما كمثالين للتدليل على العلاقة الوثيقة بين مفهوم المجاز والتأويل من ناحية، وبين قضايا الفكر الاعتزالي من ناحية أخرى.