فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 269

ولقد وجد المعتزلة في تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه وسيلة دينية شرعية للتأويل، رغم أنهم أخضعوا دلالة القرآن كله للدليل العقلي. وكان من الطبيعي أن

تكون الآيات التي تسند وجهة نظرهم وأفكارهم العقلية محكمة، وأن تكون تلك التي يستدل بها خصومهم متشابهة في حاجة للتأويل. وسلك خصوم المعتزلة نفس مسلكهم. وكان القول بالمجاز عند كليهما وسيلة للتأويل واخراج النص عن ظاهره. وحين يعجز المعتزلة عن تأويل النص استنادا إلى تركيبه اللغوي، يلجئون إلى الاستناد إلى الدليل العقلي. وكلا الدليلين عندهم سواء في تأويل النص القرآني. وقد اتضح ذلك كله في تأويل الآيات التي تتصل بقضيتي رؤية الله وخلق الأفعال، وهما القضيتان اللتان أخذناهما كمثالين للتدليل على العلاقة الوثيقة بين مفهوم المجاز والتأويل من ناحية، وبين قضايا الفكر الاعتزالي من ناحية أخرى.

وكان الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في قضية رؤية الله امتدادا لخلافهم حول قضايا التوحيد ونفي الصفات عن الله. وقد نفى المعتزلة نفيا قاطعا أن يرى الله، على أساس أن الرؤية إنما تجوز على الاجساد المتحيزة في المكان والقائمة في جهة. واستندوا في التدليل على صحة رأيهم بآيات من القرآن أهمها قوله تعالى {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ} واعتبروها آيات محكمات تدل بظاهرها.

أمّا تلك الآيات التي لا تتفق مع وجهة نظرهم فقد اعتبروها متشابهات في حاجة للتأويل. وكان «المجاز» هو سلاحهم الرئيسي في عملية تأويل هذه الآيات. وهو سلاح يشمل العبارة واللفظ، والحروف أيضا إن احتاج الأمر. والهدف النهائي عند المعتزلة هو نفي مشابهة الله للبشر وتأكيد وحدانيته المطلقة وتفرّده الكامل. وفي سبيل هذا الهدف لا بأس من اخراج النص عن ظاهره بادعاء المجاز فيه.

أمّا قضية خلق الأفعال فهي أساس مبدأ العدل، ذلك المبدأ الذي يسعى لنفي فعل القبيح أو إرادة فعله عن الله، ومن ثم يسعى لتأكيد قيام الفعل الانساني على الاختيار والحرية، لا على الضرورة والاضطرار. وإذا كان الأشاعرة قد ذهبوا إلى اطلاق الارادة الالهية لتشمل كل المرادات، ومنها كفر الكافر، وكذب الكاذب، فإن المعتزلة ميّزوا بين ما يريده الله من فعل نفسه، وبين ما يريده من فعل غيره. وذهبوا إلى أن إرادة الله للفعل الانساني إنما هي إرادة على سبيل الاختيار لا الالجاء. وحين انتقل المعتزلة للاستدلال على أفكارهم تلك بالقرآن الكريم، نازعهم خصومهم في صحة استدلالهم. ومن ناحية أخرى أوردوا عليهم أدلة أخرى تتناقض مع مسلماتهم العقلية.

وكان القول بالمجاز هو الأداة الرئيسية للتأويل. وحين يعجز التحليل اللغوي عن بيان وجه التجاوز في العبارة، يعتصم المعتزلة بالقرينة العقلية، التي اعتبروها أشدّ دلالة من القرينة اللفظية المتصلة بالكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت