فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 269

وكما أوّل أبو عبيدة آيات التشبيه، فإنه يحاول أن يؤول آيات الجبر أو ما يوهم إرادة الله للقبيح، ولذلك يحاول أن يؤول قوله تعالى: {وَإِذََا أَرَدْنََا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا} بقوله: «أي أكثرنا مترفيها، وهي من قولهم: قد أمر بنو فلان، أي كثروا، فخرج على تقدير قولهم علم فلان، وأعلمته» وهو بذلك ينفي أن يكون الله قد أمر المترفين بالفسق، كما هو ظاهر بالآية، بل ينفي أن يكون الفعل هو أمر، بل هو أمر متعد بالهمزة من أمر بنو فلان، إذا كثروا. وهذا التأويل سيستفيد منه المعتزلة بعد ذلك، وإن كانوا سيضيفون إليه احتمالات أخرى مثل

قول القاضي عبد الجبار «أنه أمرهم بالطاعة ففسقوا بالخروج عن ذلك» وهو تأويل آخر أخذوه عن الفراء كما سنوضح بعد قليل. فإذا انتقلنا إلى الزمخشري وجدناه يرفض هذا التأويل الثاني على أساس «أن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه وهو كلام مستفيض» وعلى هذا يبني الزمخشري تأويله للآية على المجاز «والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا لا يكون، فبقي أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه صبّ عليهم النعمة صبّا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب ايلاء النعمة فيه، وإنما خوّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الاحسان والبر» .

ومما يرتبط بهذه القضية العدل أن يدرك أبو عبيدة أن مجاز «الأمر في الآية {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} مجازه: الوعيد» .

* * * تعرّض الفراء معاصر أبي عبيدة لكثير من التأويلات التي تناولها المعتزلة فيما بعد، وهي تأويلات تتفق في مجملها مع تأويلاتهم وإن أضيف لها بعض التفاصيل الكلامية والفلسفية بعد ذلك، بل إن الفراء في تأويلاته يردّ على من يسميهم «أهل القدر» ويقصد بهم خصوم المعتزلة، وكأنه شأن كثير من المعتزلة يردّ لهم الاسم الذي أطلقوه على المعتزلة. وعلاقة الفراء بالمعتزلة وببلاط المأمون الخليفة المعتزلي واضحة يشير إليها الدارسون. ويظن الدكتور شوقي ضيف أن الفراء «اختلف إلى حلقات المعتزلة التي كانت مهوى قلوب الشباب والمثقفين والأدباء في البصرة، وأنه تلقى حينئذ مبادئ الاعتزال، وظل مؤمنا بها حفيا، مما جعل مترجموه يقولون إنه كان متكلما يميل إلى الاعتزال، وآثار اعتزاله واضحة في كتابه معاني القرآن إذ نراه يتوقف مرارا للرد على الجبرية» ويؤكّد الدكتور محمد زغلول سلام هذه الحقيقة بقوله «وكان لميل الفراء إلى الكلام والأخذ بآراء المعتزلة أثر في معاني القرآن» .

والآيات التي يتوقف أمامها الفراء ليؤولها من وجهة نظر اعتزالية كثيرة، وتغطي كثيرا من جوانب الفكر الاعتزالي. والكتاب يعدّ بهذا الشكل أول مؤلف اعتزالي يصلنا. ومن الغريب أن شخصية النحوي تكاد تختفي أمام هذه الآيات التي تمسّ الفكر الاعتزالي، أو يبدو أنها تتناقض مع مسلماته. وعلى هذا فسأتناول هذه الآيات بشيء من التفصيل، لا تبعا لترتيبها، بل تبعا لقضايا الفكر الاعتزالي،

هذه القضايا التي تدور حول محورين أساسيين هما محور العدل، ومحور التوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت