فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 269

ولذلك لا بدّ من وضع ضوابط لهذا الاشتراك والاحتمال والمجاز والاستعارة. لا بدّ من وضع ضوابط لهذه الأمور وإلّا خرج الكلام عن أن يكون دلالة. ومن الضروري والحالة هذه أن يحدد القاضي عبد الجبار الوجه الذي يقع منه المجاز في الكلام. ومن البديهي أن لا يكون المجاز واقعا في أصل المواضعة. فإذا كان المعتزلة قد انتهوا كما بيّنا سالفا إلى أن العالم الخارجي ثابت وقائم بصرف النظر عن ادراكنا ومعرفتنا به، وإذا كانوا قد ذهبوا إلى أن الادراك لا يؤثر في المدرك ولا في صفة من صفاته سلبا أو ايجابا، وإذا كانت الاسماء اللغوية مجرد اشارات للأشياء، فمن الطبيعي أن تكون المواضعة اللغوية لها ثبات الأشياء، بمعنى أن يصبح الاسم كالسمة والعلامة للشيء. واللغة من هذه الجهة (المواضعة) لا يجوز أن تدخلها الاستعارة أو المجاز. غير أن من حق الجماعة اللغوية أن تنتقل بالمواضعة في الاسم عن معناه الحقيقي الى معنى آخر مجازي بشرط وجود علاقة بين المعنى المنقول منه الاسم والمعنى المنقول إليه «وبذلك جوّزنا نقل الألفاظ إلى الاحكام الشرعية، وجوزنا انتقال حكم اللفظة بالتعارف عن المجاز إلى الحقيقة وعن الحقيقة إلى المجاز، وكل ذلك لا يوجب قلب المعاني» ومعنى ذلك أن المواضعة يجوز أن يحدث فيها التجاوز مع مراعاة قصد الجماعة، أي مراعاة المعنى الذي تقصد إليه الجماعة حيث تطلق اسما على شيء من الأشياء أو صفة من الصفات. وهذا التجاوز لا يعني عند القاضي قلب المعانى أو التداخل بين حدود

الأشياء. ويكون المجاز حينئذ مواضعة طارئة على المواضعة الأصلية. وعلى ذلك يشترط القاضي عبد الجبار أن يكون للاسم اللغوي حقيقة سابقة قبل استعماله في المجاز «لأن كون اللفظة مجازا ولا حقيقة لها لا يصح في اللغة» و «لأن التجوز هو أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له في الأصل»

وتدخل الاستعارة والمجاز أيضا في الكلام من الجانب الثاني للدلالة اللغوية، أعني جانب المتكلم الذي يعبر، ويستخدم اللغة للتعبير عن قصده وارادته. وما دام المتكلم عنصرا ثانيا من عناصر الدلالة اللغوية وما دام قصده شرطا لاعتبار اللغة دلالة، فمن الطبيعي أن يدخل المجاز والاستعارة اللغة من هذا الجانب. فالمواضعة تظل حتى مع التجاوز فيها مواضعة اجتماعية لا بدّ فيها من تواطؤ الجماعة صاحبة اللغة بأكملها إلى جانب أن المجاز الذي يدخل المواضعة يرتبط بالأسماء المفردة، ولا يتناول جانب التركيب الذي لا يتم إلّا من جانب المتكلم للتعبير عن قصده وارادته. وعلى ذلك فالمجاز والاستعارة في التركيب يختصان بارادة المتكلم ورغبته في التعبير عمّا يريد وذلك «لأن الأمر لا يكون أمرا إلّا بالارادة وكذلك الخبر» .

* * * ووقوع الاتساع والاشتراك والمجاز في اللغة من شأنه أن يثير اعتراضا في وجه المعتزلة على اعتبارهم اللغة دلالة، بمعنى أن ذلك يخلّ بمبدإ الاشارة اللغوية. فإذا كانت المعجزة تقع موقع التصديق عند ادعاء النبوة، وإذا كان الفعل بمجرده يدل على وجود الفاعل، وبوقوعه محكما يدل على أن فاعله عالم، فهذه في النهاية دلالات مباشرة لا يدخلها الاتساع والمجاز الذي قد يخلّ بمبدإ الدلالة. لكن اللغة مع ما يدخلها من الاتساع والمجاز قد تضلل بدلا من أن تدل. وهذا الاعتراض كان واردا على المعتزلة من كثيرين «منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية وابن خويزمنداذ من المالكية وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزّه عنه وأن المتكلم لا يعدل إليه إلّا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير وذلك محال على الله تعالى» .

ويتضمن رد المعتزلة على هذا الاعتراض التفرقة بين أمرين: الأمر الأول المتكلم نفسه، أما الثاني فالكلام. ومن ناحية المتكلم يفرّق المعتزلة بين من ثبتت حكمته وهو الله تعالى وبين من لم يعرف حاله وهو المتكلم العادي. أمّا كلام من ثبتت حكمته فهو يدل لا محالة لأنه لا يقع فيه الكذب أو محاولة التضليل. وكلام

من لم يعرف حاله يكون طريقا للنظر والتثبت والتيقن، وعلى هذا فكلام كليهما يقع دلالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت