فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 269

ويتضمن رد المعتزلة على هذا الاعتراض التفرقة بين أمرين: الأمر الأول المتكلم نفسه، أما الثاني فالكلام. ومن ناحية المتكلم يفرّق المعتزلة بين من ثبتت حكمته وهو الله تعالى وبين من لم يعرف حاله وهو المتكلم العادي. أمّا كلام من ثبتت حكمته فهو يدل لا محالة لأنه لا يقع فيه الكذب أو محاولة التضليل. وكلام

من لم يعرف حاله يكون طريقا للنظر والتثبت والتيقن، وعلى هذا فكلام كليهما يقع دلالة.

أمّا الأمر الثاني وهو الكلام نفسه، فيفرّق القاضي عبد الجبار بين الكلام إذا وقع مجردا عن قرينة، أو إذا قارنته قرينة تصرفه عن ظاهر المراد به. في الحالة الأولى يدل الكلام بظاهر المواضعة، بينما يدل في الحالة الثانية بالقرينة على اعتبار أنها جزء من الدلالة. وهذه التفرقة بين المتكلم الذي ثبتت حكمته وغيره، وبين اللغة مجردة عن القرينة أو بها، تظل تفرقة تدور في اطار الغرض الديني للمعتزلة الذي يهدف إلى معرفة كلام الله القرآن وما يدل عليه «فأمّا من يقول: إن المعجز، إذا كان إنما يدل كدلالة التصديق، وكان الكلام لا يدل على شيء لصحة وقوعه مجملا ومشتركا، ولدخول الاتساع والمجاز (فيه) ، فما يحل محله، بألّا يدل أولى «فقوله في ظاهر السقوط، لأنه جعل ما نصب منصب الأدلة خارجا عن أن يكون دلالة، لأن الكلام نصب هذه النصبة، ليدل بالمواضعة، على ما لا يدل عليه الفعل، وعلى ما لا يعلم بالمشاهدة. لكن المتكلم قد يكون حكيما، فيجب في كلامه أن يكون دالّا، وقد لا نعلم حكمته، فكلامه يكون طريقا للنظر، لا لأنه ليس بدلالة، لأنا لو علمنا من حاله أنه حكيم، لكان دلالة، وإنما لا نعدّه دلالة، إذا وقع من جهة (من) لم تثبت حكمته، لأمر يرجع إلى أنه لم يقع منه على الوجه الذي يدل، من حيث لا نعلم أن مقاصده صحيحة، وذلك أمر لا يقدح في دلالته.

يبين ذلك أن الفعل المحكم يدل على كون فاعله عالما، إذا وقع مرتبا على طريقة مخصوصة، ومتى وقع على طريقة الاحتذاء، أو على غير جهة الترتيب، لم يدل. ولا يخرج ذلك الفعل المحكم من أن يكون دلالة. فكذلك القول في الكلام.

فإن كان ما ظنه السائل من الاشتراك ودخول المجاز يمنع من كون الكلام دلالة، فلما قلناه في الفعل المحكم وصحة وقوعه ممن ليس بعالم، على بعض الوجوه، يجب أن يمنع من كونه دلالة فكذلك القول فيما ذكرناه من دلالة الكلام، لأنّا نقول إنه يدل، إذا تجرد وجرى من قرينة، على خلاف الوجه الذي يدل عليه إذا ضامه قرينة، ولم يتجرد. ونقول: إنه يدل، إذا وقع من الحكيم الذي مقاصده صحيحة، على خلاف الوجه الذي يدل ممن لم تثبت حكمته. فقد صار افتراق هذين الوجهين اللذين على أحدهما يدل، وعلى الآخر لا يدل، أو يدل على أحد الوجهين بخلاف دلالته على الوجه الآخر، بمنزلة افتراق الجنسين لأن الكلام إنما يدل، متى تجرد، على ما وضع له، لأنه يخالف حاله إذا قارنه غيره فقد صار باختلاف هاتين الحالتين، تختلف دلالته».

وكل هذه المقارنة الطويلة بين الفعل إذا وقع محكما ودلالته على علم فاعله، وبينه إذا وقع على جهة الاحتذاء فلا يدل، وبين اللغة وكيف أن وقوعها من جهة الحكيم يجعلها تدل، بينما وقوعها من جهة من لم تثبت حكمته يجعلها طريقا للنظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت