وكل هذه المقارنة الطويلة بين الفعل إذا وقع محكما ودلالته على علم فاعله، وبينه إذا وقع على جهة الاحتذاء فلا يدل، وبين اللغة وكيف أن وقوعها من جهة الحكيم يجعلها تدل، بينما وقوعها من جهة من لم تثبت حكمته يجعلها طريقا للنظر.
كل ذلك يؤكّد النظرة الدينية لطبيعة اللغة ودلالتها عند المعتزلة. هذا من جهة التفرقة بين المتكلمين. أمّا من جهة الكلام نفسه، فالكلام يدل إذا تجرّد عن القرينة بطريقة تختلف عن دلالته مع وجود القرينة، لكنها تدل على أي حال.
والمهم أن نفهم قصد المتكلم وغرضه. والقرينة في حالة المتكلم العادي من لم تثبت حكمته لا بدّ أن تكون قرينة لفظية موجودة في الكلام نفسه. أمّا في حالة المتكلم الحكيم وهو الله فمعرفتنا بحكمته وأنه لا يكذب ولا يفعل القبيح وهي معرفة عقلية سابقة على الشرع عند المعتزلة هي القرينة التي تعلو على كل قرينة، والتي تجعل كلامه دلالة لا محالة. وسواء كانت القرينة لفظية أو عقلية فوضوح قصد المتكلم يظل هو الهدف ما دامت اللغة دلالة، وعلى ذلك «لا يمتنع اطلاق العبارة في غير حقيقتها إذا فهم الغرض»
* * * إذا كان الاتساع والاشتراك يدخل من جهة المواضعة، كما يدخل من جانب المتكلم، فليس من حق المتكلم أن ينقل أي لفظ شاء إلى أي معنى يريد، وإلّا اختلّت الدلالة اللغوية. فهناك في اللغة نوعان من الأسماء: الألقاب المحضة، وأسماء المعاني أو الصفات. والفارق بين هذين النوعين أن اللقب لا يفيد فيما يشير إليه أكثر من مجرد الاشارة، وذلك كاسم العلم الذي يشير إلى مسماه دون أن يحدد صفة من صفاته أو يبرز خاصية من خواصه. ولذلك قد يطلق اسم واحد على أفراد كثيرين دون أن تختل دلالة الاشارة في اللقب. أمّا اسماء الصفات أو أسماء المعاني فهي تشير إلى خاصية في الشيء المشار إليه، فكلمة «أسود» تشير إلى صفة «السواد» في الشيء المشار إليه «اعلم أن الاسم على ضربين: أحدهما لا يفيد في المسمى به وإنما يقوم مقام الاشارة في وقوع التعريف به من غير أن يقع التعريف بما يفيده، وهو الذي سميناه بأنه لقب محض. ومنه ما يفيد في المسمى به جنسا أو صفة وهو الذي يسميه شيوخنا صفات، ولا يجعلون الفارق بين الاسم والصفة ما يقوله أهل العربية في ذلك ومثال اللقب المحض هو قولنا زيد وعمرو إلى ما شاكله. والقول في أن ذلك لا يفيد بين، لأنه يقع موقع الاشارة فكما أن الاشارة تعرف ولا تفيد في المشار إليه حالا وصفة، فكذلك ما أقيم مقامها، ولذلك يصح تبديل اللقب وصفة الملقب واحدة، وتختلف الألقاب والصفة واحدة، وتتفق
والصفة مختلفة».