* * * إذا كان الاتساع والاشتراك يدخل من جهة المواضعة، كما يدخل من جانب المتكلم، فليس من حق المتكلم أن ينقل أي لفظ شاء إلى أي معنى يريد، وإلّا اختلّت الدلالة اللغوية. فهناك في اللغة نوعان من الأسماء: الألقاب المحضة، وأسماء المعاني أو الصفات. والفارق بين هذين النوعين أن اللقب لا يفيد فيما يشير إليه أكثر من مجرد الاشارة، وذلك كاسم العلم الذي يشير إلى مسماه دون أن يحدد صفة من صفاته أو يبرز خاصية من خواصه. ولذلك قد يطلق اسم واحد على أفراد كثيرين دون أن تختل دلالة الاشارة في اللقب. أمّا اسماء الصفات أو أسماء المعاني فهي تشير إلى خاصية في الشيء المشار إليه، فكلمة «أسود» تشير إلى صفة «السواد» في الشيء المشار إليه «اعلم أن الاسم على ضربين: أحدهما لا يفيد في المسمى به وإنما يقوم مقام الاشارة في وقوع التعريف به من غير أن يقع التعريف بما يفيده، وهو الذي سميناه بأنه لقب محض. ومنه ما يفيد في المسمى به جنسا أو صفة وهو الذي يسميه شيوخنا صفات، ولا يجعلون الفارق بين الاسم والصفة ما يقوله أهل العربية في ذلك ومثال اللقب المحض هو قولنا زيد وعمرو إلى ما شاكله. والقول في أن ذلك لا يفيد بين، لأنه يقع موقع الاشارة فكما أن الاشارة تعرف ولا تفيد في المشار إليه حالا وصفة، فكذلك ما أقيم مقامها، ولذلك يصح تبديل اللقب وصفة الملقب واحدة، وتختلف الألقاب والصفة واحدة، وتتفق
والصفة مختلفة».
فاللقب المحض على ذلك لا يحمل أي معنى، بعكس الصفة التي تدل على معنى، وهذا المعنى الذي تدل عليه الصفة لا بدّ أن يكون ثابتا أولا بالدليل العقلي، ثم تأتي العبارة أو الصفة للدلالة عليه «إن اثبات المعاني بالأقوال والأسماء لا يصح، لأن الواجب اثباتها بالطريق الذي تثبت منه، ثم يعبر عنها» ولذلك يمنع المعتزلة خصومهم في مواضع كثيرة من الاستدلال بوجود العبارات على وجود المعاني على أساس أن العبارات يجب أن تدل على معان سبقت معرفتها بالأدلة العقلية، أمّا العبارات التي لا تدل على معان فتعدّ من قبيل الخطأ اللغوي. ويتبدّى حرص المعتزلة على وضوح الدلالة اللغوية في هذه المسألة في تأكيدهم على ضرورة أن تستعمل أسماء الصفات في معانيها، وإلّا تحول الكلام من أن يكون صدقا إلى أن يكون كذبا «اعلم أن كل اسم يفيد ولم يكن لقبا محضا لا يحسن أن يستعمل إلّا فيما علم فيه ما يفيده. وغلبة الظن في ذلك لا يقوم مقام العلم في الاخبار لما فيه من تجويز كونه كذبا. فأمّا في ابتداء الوضع فإنه يقوم مقامه ولا يحسن استعمال العبارة المفيدة إلّا على الوجه الذي وضعت له في سائر ما تنقسم إليه من الكلام، وإلّا كان المتكلم بها عابثا أو في حكم العابث. ولذلك لا يحسن اتباع أهل اللغة في مواضعاتهم إلّا بعد العلم بمقاصدهم فيما وضعوه من اللغة. فثبت بذلك أن اجراءهم الاسم المفيد لا يحسن إلّا بعد العلم بفائدته كما أن ما علم فيه فائدة الاسم يحسن اجراء الاسم عليه» . وهذا الحرص على استعمال أسماء الصفات في معانيها المعقولة أولا، حتى أنه لا يجب اتباع أهل اللغة في اسمائهم إلّا بعد العلم بمقاصدهم، هذا الحرص لا يمنع من اجراء هذه الأسماء على ما علم فيه فائدة الاسم. بمعنى أننا يجب أن نعقل معنى «الطول» أولا، ثم نجري عليه الاسم الدال عليه، ثم لا مانع بعد ذلك من أن نطلق هذا الاسم على كل ما علمنا فيه فائدة «الطول» وليست هذه محاولة منا لاستنتاج أن اسماء الصفات هي التي يجوز فيها الاستعارة والمجاز دون الألقاب المحضة التي تنبئ ولا تعني فيما يقول ستيوارت مل»، فالقاضي نفسه تمشيا مع مبدأ المعتزلة الأثير (قياس الغائب على الشاهد) لا يمنع من اطلاق الاسماء وهي أسماء المعاني كما سنرى بعد ذلك على الغائب إذا ثبتت صحتها في الشاهد وذلك على أساس أن المواضعة إنما تتم على الشاهد المحسوس المدرك، ثم يمكن للمتكلم أن ينتقل بعد ذلك في اطلاق هذه الاسماء على ما غاب عنه، إذا أفادت مثل هذه المعاني المعقولة في الشاهد «اعلم أن المواضعة إنما تقع على المشاهدات وما جرى مجراها، لأن الأصل فيها الاشارة، على ما بيناه. فإذا ثبت ذلك، فيجب، متى أردنا التكلم بلغة مخصوصة، أن نعقل معاني
الأوصاف والأسماء فيها في الشاهد، ثم ننظر، فما حصلت فيه تلك الفائدة نجري عليه الاسم في الغائب. وهذا في بابه بمنزلة معرفة ما له أصل في الشاهد في أنه يجب أن يعلم أولا ثم يبنى عليه الغائب، نحو ما بيّناه في الاستدلال بالشاهد على الغائب» ومبدأ قياس الغائب على الشاهد مبدأ أثير لدى المعتزلة، بل هو حجر الزاوية في فلسفتهم كلها سواء ما اتصل منها بالعدل أم التوحيد.