فاللقب المحض على ذلك لا يحمل أي معنى، بعكس الصفة التي تدل على معنى، وهذا المعنى الذي تدل عليه الصفة لا بدّ أن يكون ثابتا أولا بالدليل العقلي، ثم تأتي العبارة أو الصفة للدلالة عليه «إن اثبات المعاني بالأقوال والأسماء لا يصح، لأن الواجب اثباتها بالطريق الذي تثبت منه، ثم يعبر عنها» ولذلك يمنع المعتزلة خصومهم في مواضع كثيرة من الاستدلال بوجود العبارات على وجود المعاني على أساس أن العبارات يجب أن تدل على معان سبقت معرفتها بالأدلة العقلية، أمّا العبارات التي لا تدل على معان فتعدّ من قبيل الخطأ اللغوي. ويتبدّى حرص المعتزلة على وضوح الدلالة اللغوية في هذه المسألة في تأكيدهم على ضرورة أن تستعمل أسماء الصفات في معانيها، وإلّا تحول الكلام من أن يكون صدقا إلى أن يكون كذبا «اعلم أن كل اسم يفيد ولم يكن لقبا محضا لا يحسن أن يستعمل إلّا فيما علم فيه ما يفيده. وغلبة الظن في ذلك لا يقوم مقام العلم في الاخبار لما فيه من تجويز كونه كذبا. فأمّا في ابتداء الوضع فإنه يقوم مقامه ولا يحسن استعمال العبارة المفيدة إلّا على الوجه الذي وضعت له في سائر ما تنقسم إليه من الكلام، وإلّا كان المتكلم بها عابثا أو في حكم العابث. ولذلك لا يحسن اتباع أهل اللغة في مواضعاتهم إلّا بعد العلم بمقاصدهم فيما وضعوه من اللغة. فثبت بذلك أن اجراءهم الاسم المفيد لا يحسن إلّا بعد العلم بفائدته كما أن ما علم فيه فائدة الاسم يحسن اجراء الاسم عليه» . وهذا الحرص على استعمال أسماء الصفات في معانيها المعقولة أولا، حتى أنه لا يجب اتباع أهل اللغة في اسمائهم إلّا بعد العلم بمقاصدهم، هذا الحرص لا يمنع من اجراء هذه الأسماء على ما علم فيه فائدة الاسم. بمعنى أننا يجب أن نعقل معنى «الطول» أولا، ثم نجري عليه الاسم الدال عليه، ثم لا مانع بعد ذلك من أن نطلق هذا الاسم على كل ما علمنا فيه فائدة «الطول» وليست هذه محاولة منا لاستنتاج أن اسماء الصفات هي التي يجوز فيها الاستعارة والمجاز دون الألقاب المحضة التي تنبئ ولا تعني فيما يقول ستيوارت مل»، فالقاضي نفسه تمشيا مع مبدأ المعتزلة الأثير (قياس الغائب على الشاهد) لا يمنع من اطلاق الاسماء وهي أسماء المعاني كما سنرى بعد ذلك على الغائب إذا ثبتت صحتها في الشاهد وذلك على أساس أن المواضعة إنما تتم على الشاهد المحسوس المدرك، ثم يمكن للمتكلم أن ينتقل بعد ذلك في اطلاق هذه الاسماء على ما غاب عنه، إذا أفادت مثل هذه المعاني المعقولة في الشاهد «اعلم أن المواضعة إنما تقع على المشاهدات وما جرى مجراها، لأن الأصل فيها الاشارة، على ما بيناه. فإذا ثبت ذلك، فيجب، متى أردنا التكلم بلغة مخصوصة، أن نعقل معاني
الأوصاف والأسماء فيها في الشاهد، ثم ننظر، فما حصلت فيه تلك الفائدة نجري عليه الاسم في الغائب. وهذا في بابه بمنزلة معرفة ما له أصل في الشاهد في أنه يجب أن يعلم أولا ثم يبنى عليه الغائب، نحو ما بيّناه في الاستدلال بالشاهد على الغائب» ومبدأ قياس الغائب على الشاهد مبدأ أثير لدى المعتزلة، بل هو حجر الزاوية في فلسفتهم كلها سواء ما اتصل منها بالعدل أم التوحيد.
والذي يصحّ أن ننقله من الأسماء من الشاهد إلى الغائب لا يمكن أن يكون الألقاب المحضة، لأنها كما سبق أن أشرنا تشير ولا تفيد، والأسماء التي تنقل من الشاهد إلى الغائب يجب أن تفيد إلى جانب وظيفتها الاشارية، وإلّا لم يكن لاطلاقها على ما غاب عنا أي معنى. وإذا جاز أن نطلق الألقاب المحضة على ما غاب عنا فما حاجتنا إلى أن نعقل معانيها في الشاهد، وهي أصلا لا تحمل أي معنى، ولا تؤدي أي وظيفة سوى مجرد الاشارة العارية عن أي معنى؟
لا يتركنا القاضي عبد الجبار للاستنتاج والتخمين، فإذا كان اللقب المحض لا يفيد معنى أو صفة، وإنما يشير إلى مسماه فحسب، فإن الالقاب المحضة لا يجوز أن تطلق على الله، لأنه ليس مما يشار إليه ليقع به التعريف أولا، وإنما هو سبحانه مما يجوز عليه الوصف، فلذلك نطلق عليه الأوصاف التي تفيد فيه معنى أو وصفا دون تلك الألقاب التي لا تفيد شيئا «وأمّا ما لا يفيد التعريف، ولكنه تعريف من المفيد في إبانة نوع من الأنواع أو جملة أو ضرب من الفعل من نحو قولنا إرادة وقدرة وحياة، وقولنا انسان ودابة، وقولنا ضرب وعدد، فذلك، وإن كان من باب الألقاب، فمن حيث حل محل المفيد، أجري مجراه في حكم الاستعمال.
والأسماء المفيدة أو الجارية مجرى المفيد يحسن استعمالها في الله تعالى. فأمّا الألقاب المحضة فاستعمالها فيه لا يحسن إلّا أن يرد التقييد به فإذا ثبت أنها لا تفيد فيجب أن لا يحسن استعمالها فيه، لأنه عبث لا فائدة فيه» ولعل هذا كله يسمح لنا باستنتاج أن الألقاب المحضة التي لا تفيد أي معنى سوى دلالتها الاشارية لا يصح فيها المجاز كما أنها لا يصح أن تطلق على ما غاب عنا من المعاني. وعلى عكس ذلك فأسماء الصفات والمعاني هي التي يصح فيها النقل والمجاز والاستعارة «ولذلك تراهم لا يطلقون المجاز في الأعلام اطلاقهم لفظ النقل فيها» .
* * * المجاز إذن لا يكون في الألقاب المحضة أسماء الأعلام لأنها تنبئ ولا تعني، تشير ولا تدل، وإنما يكون في الصفات وأسماء المعاني. وإذا كانت هذه الاسماء نفسها لا تطلق إلّا بعد أن تعقل المعاني، فمن الطبيعي أن يكون نقلها
من مجال إلى مجال، أو من الشاهد إلى الغائب، مرتبطا بوجود علاقة بين معنى الاسم وبين ما ينقل إليه على سبيل المجاز أو الاستعارة. ويخشى المعتزلة أعني القاضي عبد الجبار اطلاق لفظ المشابهة على هذه العلاقة بين المعاني، وذلك لأنهم في اطار فكرهم وفلسفتهم يحاولون نفي مشابهة الله للبشر في ذاته وصفاته.