* * * المجاز إذن لا يكون في الألقاب المحضة أسماء الأعلام لأنها تنبئ ولا تعني، تشير ولا تدل، وإنما يكون في الصفات وأسماء المعاني. وإذا كانت هذه الاسماء نفسها لا تطلق إلّا بعد أن تعقل المعاني، فمن الطبيعي أن يكون نقلها
من مجال إلى مجال، أو من الشاهد إلى الغائب، مرتبطا بوجود علاقة بين معنى الاسم وبين ما ينقل إليه على سبيل المجاز أو الاستعارة. ويخشى المعتزلة أعني القاضي عبد الجبار اطلاق لفظ المشابهة على هذه العلاقة بين المعاني، وذلك لأنهم في اطار فكرهم وفلسفتهم يحاولون نفي مشابهة الله للبشر في ذاته وصفاته.
ولكن معنى المشابهة بين المعاني المجازية والمعاني الحقيقية يمكن أن يفهم من تحليلاتهم لبعض العبارات المجازية في القرآن. فإذا وصف الله نفسه بقوله {وَأَحََاطَ بِمََا لَدَيْهِمْ وَأَحْصى ََ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} «فمجاز لأن الاحاطة في الحقيقة تستعمل فيما يحتوي على الشيء، وذلك من صفة الاجسام، وإنما وصف نفسه بذلك من حيث علم جميع المعلومات، فتشبه من حيث علمها أجمع، بالمحيط بالشيء، لأنه من حيث أحاط به يعلم أحواله» وإذا وصف الرجل العظيم بأنه رفيع فإنما يكون ذلك «على جهة المجاز تشبيها له بمن ارتفع مكانه» وإذا سمي عيسى بأنه كلمة الله فالغرض «أن الناس يهتدون به كاهتدائهم بالكلمة» الخ كل هذه الأمثلة المبثوثة في الجزء الخامس من كتاب المغني والتي تؤكد جميعا فكرة المشابهة كأساس للعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي للفظ الواحد.
غير أن فكرة المشابهة لا تعني التطابق، وإلّا لتحوّل المجاز الى حقيقة، ولضاعت الحدود بين العوالم، خصوصا بين عالمي الشاهد والغائب، وهي حدود يحرص المعتزلة على وجودها وصلابتها. وإن كان ذلك لا يمنع قياس احدهما الغائب على الآخر الشاهد. ومبدأ القياس نفسه يقوم على نوع من المشابهة التي لا تتطابق ولا تلغي الحدود بين العالمين. وهذا هو الذي يجعل القاضي عبد الجبار يمنع من استعمال اللفظ مجازا على جهة الحقيقة، أي يمنع من الخلط بين الاستعمالين الحقيقي والمجازي للفظ الواحد: «اعلم أن من حق المجاز إذا استعمل أن لا يراعى معناه كما يراعى ذلك في الحقائق، لأن ذلك يوجب كونه في حكم الحقيقة. لأنه إن روعي معناه وجعل تابعا له وأجري حيث يجري معناه، حلّ محل الحقيقة» وهي نفس الفكرة التي سبقت الاشارة إليها عند الجاحظ.
وغاية كل من الجاحظ والقاضي واحدة على أي حال. فالجاحظ قد اشترط ذلك للمحافظة على الوظيفة البيانية للغة، وكذلك يشترط القاضي عبد الجبار محافظة على الوظيفة الدلالية. ويظلّ الالحاح عند كليهما والحالة هذه على علاقة المشابهة التي ينتقل اللفظ على أساسها من معنى إلى معنى آخر. وأي نسيان لمبدأ المشابهة من شأنه أن يخلّ بمبدإ الدلالة في المجاز من ناحية، وأن يخلّ بتمايز عالمي الغيب والشهادة إذا كان المجاز في صفات الله وأحواله من ناحية أخرى.
وقد كان متوقعا وقد ربط المعتزلة الدلالة اللغوية بقصد المتكلم وارادته بما في
ذلك الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، أن يتنبهوا إلى الوظيفة النفسية والانفعالية للمجاز في التعبير عن حالات وأحوال تعجز اللغة العادية لغة الحقيقة والاشارة عن الافصاح عنها بحكم ثبات دلالتها وفقرها الايحائي. إلّا أننا لا نجد شيئا من ذلك على الاطلاق. إذ أن اطار الجدل الديني، وتركز البحث حول الله، باعتباره متكلما، وحول القرآن باعتباره كلام الله، والرغبة الدينية في استخراج الدلالة المعرفية من النص القرآني. كل ذلك كان له تأثيره في توجيه مبحث المجاز هذه الوجهة التي تعنى في المحل الأول بالدلالة أكثر من عنايتها بالصورة، ومن ثم تحولت ايحاءات المجاز التصويرية على يد المعتزلة إلى دلالات إشارية. وبناء على ذلك لم يجد المعتزلة من وظيفة للمجاز في القرآن سوى اثارة التأمل العقلي والاجتهاد النظري الذي عدّوه جزءا من التكليف الغرض منه تعريض الناظر لمزيد من الثواب يزيد على ثواب المقلّد ويربو عليه.