وقد كان متوقعا وقد ربط المعتزلة الدلالة اللغوية بقصد المتكلم وارادته بما في
ذلك الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، أن يتنبهوا إلى الوظيفة النفسية والانفعالية للمجاز في التعبير عن حالات وأحوال تعجز اللغة العادية لغة الحقيقة والاشارة عن الافصاح عنها بحكم ثبات دلالتها وفقرها الايحائي. إلّا أننا لا نجد شيئا من ذلك على الاطلاق. إذ أن اطار الجدل الديني، وتركز البحث حول الله، باعتباره متكلما، وحول القرآن باعتباره كلام الله، والرغبة الدينية في استخراج الدلالة المعرفية من النص القرآني. كل ذلك كان له تأثيره في توجيه مبحث المجاز هذه الوجهة التي تعنى في المحل الأول بالدلالة أكثر من عنايتها بالصورة، ومن ثم تحولت ايحاءات المجاز التصويرية على يد المعتزلة إلى دلالات إشارية. وبناء على ذلك لم يجد المعتزلة من وظيفة للمجاز في القرآن سوى اثارة التأمل العقلي والاجتهاد النظري الذي عدّوه جزءا من التكليف الغرض منه تعريض الناظر لمزيد من الثواب يزيد على ثواب المقلّد ويربو عليه.
ومن أجل تثبيت الدلالة المجازية، والمحافظة على وضوح الدلالة اللغوية، يمنع المعتزلة المتكلم من استعمال المجاز فيما لم يستعمل، حتى لو كانت علاقة المشابهة واضحة بارزة. فاللفظان قد يتفقان في المعنى، ومع ذلك ينقل أحدهما عن الحقيقة إلى المجاز ولا ينقل الآخر، مع امكانية أن تقوم المشابهة بين استعمالهما معا في الحقيقة واستعمالهما معا في المجاز. والأصل في المنع أو التجويز يظل في النهاية هو استعمال الجماعة لا الفرد. فما استعملته الجماعة مجازا جاز استعماله، وما امتنعت عن استعمال المجاز فيه لا يجوز استعماله «ولا يمتنع في اللفظتين المتفقتين في المعنى أن تستعمل أحدهما مجازا حيث لا تستعمل الأخرى، وعلى هذا فان الغائط والمكان المطمئن كانا في الأصل واحدا، ثم استعمل أحدهما في الكناية عن قضاء الحاجة ولم يستعمل الآخر»
ومما يدخل في الحرص على تثبيت الدلالة اللغوية ويؤكدها أن المعتزلة لا يحبون التوسع كثيرا في الاستعمالات المجازية، ويحرصون على البعد عن التأويلات المجازية كلما وجدوا في حقيقة اللغة مخرجا. وبالرغم من أن خصومهم قد اتهموهم بأنهم يحملون الآيات على التأويلات المجازية المستكرهة، فواقع الامر أن المعتزلة شأن غيرهم من الفرق يعدّون من أنصار الحقيقة، وكل الخلاف أنهم يعتمدون إلى جانب القرينة اللفظية على القرينة العقلية التي تسمح لهم بتأويل كل ما لا يتفق وتصورهم لله ولعدله. لكن الأساس أن الحقيقة عندهم أكثر دلالة من المجاز، وعلى ذلك يمنعون من حمل اللفظ على المجاز إذا أمكن حمله على الحقيقة «لأن اللفظة متى أمكن حمل معناها في كل موضع على حقيقة واحدة،
فحملها على فوائد مختلفة، أو على المجاز في موضع والحقيقة في موضع آخر لا يجوز».