فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 269

ومما يدخل في الحرص على تثبيت الدلالة اللغوية ويؤكدها أن المعتزلة لا يحبون التوسع كثيرا في الاستعمالات المجازية، ويحرصون على البعد عن التأويلات المجازية كلما وجدوا في حقيقة اللغة مخرجا. وبالرغم من أن خصومهم قد اتهموهم بأنهم يحملون الآيات على التأويلات المجازية المستكرهة، فواقع الامر أن المعتزلة شأن غيرهم من الفرق يعدّون من أنصار الحقيقة، وكل الخلاف أنهم يعتمدون إلى جانب القرينة اللفظية على القرينة العقلية التي تسمح لهم بتأويل كل ما لا يتفق وتصورهم لله ولعدله. لكن الأساس أن الحقيقة عندهم أكثر دلالة من المجاز، وعلى ذلك يمنعون من حمل اللفظ على المجاز إذا أمكن حمله على الحقيقة «لأن اللفظة متى أمكن حمل معناها في كل موضع على حقيقة واحدة،

فحملها على فوائد مختلفة، أو على المجاز في موضع والحقيقة في موضع آخر لا يجوز».

وهم لا يمنعون تأويل اللفظ على المجاز فحسب بل يمنعون استعماله كذلك إلّا فيما استعمل فيه، فإذا استعمل لفظ «جائر» في السهم إذا زال عن سمته، فلا يصح أن تنقل اللفظة إلى كل ما أدّى هذا المعنى من الخروج عن عادته، وإلّا تساوى المجاز والحقيقة، وصعبت التفرقة بينهما. وكل هذا من شأنه أن يخلّ بمبدإ الوضوح المطلوب في الدلالة اللغوية حتى تظل دلالة «ووصفهم للسهم إذا زال عن سمته بأنه جائر، مجاز عندنا، لأنهم لا يصفون كل ما زال عن سمته بذلك. فلا يصفون الحجر المرمي بذلك، ولا غيره، فعلم أنه مجاز، وإلّا كان يشيع في هذه الفائدة. ألا ترى أنه لمّا أفاد وقوع الجور منه، استمر في كل من فعل الجور؟ وأمّا وصفهم السحاب بأنها ظالمة، إذا جادت بالمطر في غير حينه، فمجاز. لأنه لو كان حقيقة لاستمر في كل ما له حكم وحصل له ذلك أو به في غير الوقت المعتاد، حتى يقال في الشجرة إذا تأخر نضج ثمارها، بأنها ظالمة فعلم بذلك، أنه استعمل فيها تشبيها بفاعل الظلم لما كان المبتغى منها المطر في حين ما أخطأ به كما أخطأ الظالم طريق العدل فأقدم على الظلم» . وإذا لم يكن ثم ما يمنع من وصف شجرة بأنها ظالمة، إذا كانت هذه الصفة في السياق الذي ترد فيه تؤدي وظيفة في نقل خبرة أو انفعال أو تجربة، فإن القاضي عبد الجبار يمنع ذلك رغم وجه المشابهة الواضح حتى لا تتداخل الحدود بين الحقيقة والمجاز. وتظل هذه الشروط التي تحدّ من طاقة المجاز على التعبير عن مدركات وخبرات وأحوال جديدة خاضعة للمبدإ الاعتزالي عن اللغة وهو أنها نوع من أنواع الدلالة. ويظلّ الالحاح على علاقة المشابهة التي أقامت على أساسها الجماعة عبارتها المجازية هو الأساس في الاستخدام المجازي وذلك بهدف التفرقة بين الدلالتين الحقيقية والمجازية حتى لا تختلط احداهما بالأخرى في ذهن المتكلم أو المستمع، الأمر الذي قد يؤدي للبس والابهام، ويعوق عملية التوصيل التي هي وظيفة الدلالة اللغوية. وعلى ذلك لا يمتنع أن يطلق اللفظ في معنى ما يشبهه ويكون حقيقة في هذا المعنى الثاني، إذا كانت الجماعة استعملته في كليهما على الحقيقة «وقد أنكر بعضهم أن يوصف العلم بأنه اعتقاد على الحقيقة. لأن العاقل يحكم ما عرفه، كاحكام من يعقد الحبل والخيط بالعقد المحكم. وهذا وان لم يبعد أن يكون الأصل فيه ما قاله، فذلك غير دال على أنه ليس بحقيقة في الاعتقادات. لأنه لا يمتنع في الأسماء أن توجد من غيرها وتصير مع ذلك حقيقة في الثاني، إلّا أن نثبت بالدلالة، أن أهل اللغة استعملوها في الثاني على جهة التشبيه بالأول، فيجب الحكم فيه بأنه مجاز» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت