فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 269

وكل هذه الشروط السابقة تعود بالمجاز إلى أن يكون مواضعة سابقة تواضعت عليها الجماعة اللغوية ولا يجوز للفرد أن يخرج عن اطارها ولا أن يقيس عليها. والشرط للاستعمال المجازي للجماعة أن تكون أدركت وجه الشبه بين المعنيين، ولو كان وجه الشبه موجودا ولم تدركه الجماعة، ولم تستعمل اللفظ مجازا، فلا يجوز ادعاء المجاز فيه. وهذا التواضع المجازي يساوي في قوته وثباته المواضعة الحقيقية، وذلك لأن «المجاز قد صار موضوعا لما استعمل فيه مجازا، فهو في الحكم بمنزلة اسم يستعمل في أمرين على جهة الاشتراك» وكل هذا ينتهي إلى تثبيت الدلالة اللغوية مجازية كانت أو حقيقية ويعود بها إلى أن تكون دلالة عادية رامزة مشيرة، لا تحمل أي نبض ايحائي. وهي في ذلك تتساوى مع أنواع الدلالات الأخرى العقلية والسمعية. وتصبح اللغة بنظامها الثابت هي المرجع في معرفة الأسماء والصفات. ويفقد المتكلم الذي ألحّ المعتزلة على دوره في الدلالة اللغوية أي فعالية ايجابية «قد بيّنا من قبل أن استعمال الأسماء والأوصاف يحسن من جهة اللغة، وإن لم يرد بها التوقيف. وإن صحّ ذلك صارت اللغة هي الأصل فيه، كما أن أصل ما يعلم من جهة السمع، فأدلة السمع هي الأصل فيه، وما يعلم بالعقل فهو الأصل فيه. فكما أن الحكم العقلي يجب الرجوع في معرفته إلى الطريق العقلية وكذلك السمعي، فكذلك القول في اللغة إذا التبس الحال فيه» .

وإذا كان المجاز شأنه شأن الحقيقة يعتمد على المواضعة السابقة للجماعة، فمن الطبيعي أن يكون المجاز الذي سبق استعماله هو المقياس في الاستعمال. وإذا كان المعتزلة قد أباحوا لأنفسهم قياس الغائب على الشاهد فيما طريقه المعرفة العقلية، وفي اطلاق الاسماء والصفات، فانهم قد منعوا القياس في المجاز، بل لا بدّ من متابعة الاستعمالات المجازية التي سبق استخدامها دون أن يقاس على نفس نمطها. فلا «يقال: سل الكتاب ويراد به صاحبه أو كاتبه، قياسا على: سل القرية ويراد به الأهل. ولو كان ذلك حقيقة لروعي المعنى المفاد ولأجري الاسم حيث يجري المعنى» .

وثمّ خلاف بين أبي علي وأبي هاشم الجبائيين حول جواز القياس على المجاز.

وهو خلاف لا يتصل بجوهر القضية. فأبو هاشم يمنع القياس منعا باتا، بينما يجوّزه أبو علي إذا كانت علاقة المقاربة واضحة بحيث يظهر المعنى للمخاطب.

وكلاهما يسعى إلى وضوح الدلالة اللغوية أو المجازية على السواء.

وهذا المبدأ مبدأ عدم القياس في المجاز يكاد المعتزلة يطبقونه مع مبدأ

التعارف السابق على المجاز على النص القرآني نفسه. فمن المؤكد أن القرآن قد جاء بعبارات مجازية لم ترد في الشعر العربي. بمعنى أن القرآن يتضمن من الصور المجازية الكثير مما لم يوجد في الشعر العربي، خصوصا في تلك الآيات التي تعبر عن ذات الله أو صفاته. وهذه الصور المجازية تقف ضد مبدأ المعتزلة بعرفية المجاز وضرورة أن يكون سابقا في عرف الجماعة. وفي محاولة رد هذه الصور المجازية في القرآن إلى مبدأهم العام يفترض المعتزلة أن هذه الصور المجازية كانت مسبوقة بمجازات عربية مثلها لم ينقلها لنا الرواة. ويعتبرون أن القرآن نفسه دليل على وجود هذه المجازات في لغة العرب «فإن قيل: أليس قد خاطب تعالى في كتابه بأنواع من المجاز لا تعرف في اللغة في وصفه ووصف غيره. وذلك ان ذكر طال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت