فهرس الكتاب
وهذا المبدأ مبدأ عدم القياس في المجاز يكاد المعتزلة يطبقونه مع مبدأ
التعارف السابق على المجاز على النص القرآني نفسه. فمن المؤكد أن القرآن قد جاء بعبارات مجازية لم ترد في الشعر العربي. بمعنى أن القرآن يتضمن من الصور المجازية الكثير مما لم يوجد في الشعر العربي، خصوصا في تلك الآيات التي تعبر عن ذات الله أو صفاته. وهذه الصور المجازية تقف ضد مبدأ المعتزلة بعرفية المجاز وضرورة أن يكون سابقا في عرف الجماعة. وفي محاولة رد هذه الصور المجازية في القرآن إلى مبدأهم العام يفترض المعتزلة أن هذه الصور المجازية كانت مسبوقة بمجازات عربية مثلها لم ينقلها لنا الرواة. ويعتبرون أن القرآن نفسه دليل على وجود هذه المجازات في لغة العرب «فإن قيل: أليس قد خاطب تعالى في كتابه بأنواع من المجاز لا تعرف في اللغة في وصفه ووصف غيره. وذلك ان ذكر طال؟
فإذا صحّ ذلك علم أنه لا يجب أن يفسّر المجاز حيث استعمل؟ قيل له: إن ما لم يثبت في خطاب الله تعالى أنه شرعي منقول من المجاز، فيجب أن نقطع على أنهم قد تكلموا بمثله، كما أن ما تضمنه الكتاب من الحقائق يجب ذلك فيه، كقوله تعالى في وصف الكتاب: {وَهََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} ولا يجب في جميع ما تكلموا به من المجاز أن يكون منقولا إلينا، ولا يجب إذا لم نعرفه أن لا يكون معروفا عند بعض العرب، ولو انقطع نقله لكان الكتاب يدل عليه ولو أن واحدا منهم حكى ضربا من المجاز لعمل بقوله، فإذا شهد القرآن به كان بأن يقطع بذلك أولى. فلا يجب أن يوجد في صريح كلامهم نفس ما وجد في القرآن، لكنهم إذا تكلموا بمثله جاز أن يخاطب تعالى به، فإذا استجازوا القول بأن فلانا جاءني وأنا مشغول، ويراد به رسوله بأمره، لم يمتنع أن يقول جلّ وعزّ: {وَجََاءَ رَبُّكَ،} لأن الباب في ذلك واحد كما ذكرناه في القرية. ولذلك متى علمنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل ذلك علمنا أن العرب تكلمت به أو بمثله فلا مطعن على ما ذكرناه بذلك».
والذي يمكن الخروج به من هذا النص أن المعتزلة في دفاعهم عن صحة تأويلاتهم كان عليهم الاستشهاد بالشعر سائرين في ذلك على درب اللغويين والمفسرين منذ ابن عباس. ولكن مشكلة الاستشهاد بالشعر أن الخصم يمكن له أن يستشهد به كذلك. ومن ناحية أخرى فهناك آيات مثل {وَجََاءَ رَبُّكَ} لا يستطيعون ايجاد ما يقابلها في التراكيب العربية والشعرية للدلالة على المعنى الذي يريدون إليه. وبدلا من أن يسلم المعتزلة بوجود مجازات في القرآن لم ترد في الاستعمال العربي، يذهبون إلى افتراض وجود مثل هذه المجازات وإن كانت لم تصل إلينا ولم يحفظها لنا أحد. وهذه كلها افتراضات أدّت بهم إليها تلك الرغبة في تثبيت الدلالة المجازية، وربط القرآن الكريم هذا الربط الميكانيكي باللغة العربية ووسائلها التعبيرية وطرائفها الأسلوبية، حتى ليجعلوه يقل من هذه الزاوية عن شعر
شاعر كامرئ القيس أو زهير فيما أضافاه للغة من تعبيرات وتراكيب وصور.