فهرس الكتاب
والذي يمكن الخروج به من هذا النص أن المعتزلة في دفاعهم عن صحة تأويلاتهم كان عليهم الاستشهاد بالشعر سائرين في ذلك على درب اللغويين والمفسرين منذ ابن عباس. ولكن مشكلة الاستشهاد بالشعر أن الخصم يمكن له أن يستشهد به كذلك. ومن ناحية أخرى فهناك آيات مثل {وَجََاءَ رَبُّكَ} لا يستطيعون ايجاد ما يقابلها في التراكيب العربية والشعرية للدلالة على المعنى الذي يريدون إليه. وبدلا من أن يسلم المعتزلة بوجود مجازات في القرآن لم ترد في الاستعمال العربي، يذهبون إلى افتراض وجود مثل هذه المجازات وإن كانت لم تصل إلينا ولم يحفظها لنا أحد. وهذه كلها افتراضات أدّت بهم إليها تلك الرغبة في تثبيت الدلالة المجازية، وربط القرآن الكريم هذا الربط الميكانيكي باللغة العربية ووسائلها التعبيرية وطرائفها الأسلوبية، حتى ليجعلوه يقل من هذه الزاوية عن شعر
شاعر كامرئ القيس أو زهير فيما أضافاه للغة من تعبيرات وتراكيب وصور.
وربما أمكن التماس العذر للمعتزلة في هذه الافتراضات التي راحوا يتمحلونها، إذ الآيات التي تثير هذه المشكلة آيات لا يسلّم خصوم المعتزلة بتأويلهم لها، بل ذهب أغلبهم خصوصا الظاهرية إلى أنها حقائق، وإن كانوا نفوا كيفية المجيء. ونتيجة لذلك حاول المعتزلة لتأكيد وجهة نظرهم ربط هذه التعبيرات المجازية بمثيلات لها في اللغة، وافترضوا وجود مثلها في اللغة وإن لم تصلهم عن العرب ولم ينقلها أحد.
أمّا في الألفاظ الشرعية التي نقلها القرآن عن معناها اللغوي إلى معناها الشرعي، كألفاظ الصلاة والزكاة والصوم، فلا نزاع بين المعتزلة وخصومهم حول هذا التجاوز في الدلالة، ومن ثم لا يحتاج المعتزلة للافتراض والتمحل، ويسلمون بأن نقل مثل هذه الألفاظ يعدّ بمثابة ابتداء مواضعة من جهة الله، ولم تستعمل في القرآن على سابق مثال «ولا تلزم على ذلك الألفاظ الشرعية، لأنه جلّ وعزّ، من حيث ثبتت حكمته يجب صرف كلامه إلى أنه أراد به الوجه الصحيح. فإذا بينه ونقل اللفظ عن اللغة صار كابتداء مواضعة منه» وهكذا يقع المعتزلة فيما حاولوا الهروب منه، ويسلمون بجواز أن يكون في القرآن ما لم تقع المواضعة عليه، ويستندون في ذلك إلى فكرة الحكمة الإلهية، وهي فكرة كانت كفيلة باخراجهم من المأزق السابق دون افتراضات أو تمحلات.
* * * تحددت مهمة اللغة عند القاضي على مستوى التركيب بأنها «الانباء» عما في النفس، واعتبر القاضي أن وظيفة «الاخبار» هي الوظيفة المركزية للغة، لدرجة أنه ردّ كل الصيغ اللغوية من أمر ونهي واستفهام ونداء وقسم إلى معنى الخبر. ويرتبط الخبر في دلالته بقصد المتكلم وارادته «ولذلك يصح في الخبر المجاز والتعريض والالغاز» . وقد استبعد المعتزلة من دائرة بحثهم المتكلم البشري على أساس أن كلامه يمكن معرفة دلالته بالاضطرار، وذلك على عكس كلام الله عز وجل الذي لا يمكن معرفة دلالته كاملة إلّا استدلالا كما سبقت الاشارة. وإذا كان تقدم المواضعة يعدّ عند المعتزلة شرطا لوقوع كلام الله دلالة، فإن معرفة قصده تعالى يعدّ شرطا ثانيا لا يقلّ في أهميته عن المواضعة السابقة. يقول القاضي مشترطا المواضعة «اعلم أنه لا بدّ من لغة يتواضع عليها المخاطب أولا ليصحّ أن يفهم عن الله سبحانه وتعالى ما يخاطبه به والذي يدلّ على ذلك أن العلم بما يفيده الخطاب الوارد عن الله سبحانه هو علم بأنه أراد به ما يتعلق ذلك الخطاب به، فمتى لم
تتقدم من المخاطب لغة لم يعلم مراده، عزّ وجلّ، بكلامه، لأنه إنما يعلم ذلك متى تقدّم منه ما يقتضي صرف خطابه إلى ما تعارفه من اللغات، فيكون خطابه دلالة على مراده بتقدم المواضعة».