فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 269

* * * تحددت مهمة اللغة عند القاضي على مستوى التركيب بأنها «الانباء» عما في النفس، واعتبر القاضي أن وظيفة «الاخبار» هي الوظيفة المركزية للغة، لدرجة أنه ردّ كل الصيغ اللغوية من أمر ونهي واستفهام ونداء وقسم إلى معنى الخبر. ويرتبط الخبر في دلالته بقصد المتكلم وارادته «ولذلك يصح في الخبر المجاز والتعريض والالغاز» . وقد استبعد المعتزلة من دائرة بحثهم المتكلم البشري على أساس أن كلامه يمكن معرفة دلالته بالاضطرار، وذلك على عكس كلام الله عز وجل الذي لا يمكن معرفة دلالته كاملة إلّا استدلالا كما سبقت الاشارة. وإذا كان تقدم المواضعة يعدّ عند المعتزلة شرطا لوقوع كلام الله دلالة، فإن معرفة قصده تعالى يعدّ شرطا ثانيا لا يقلّ في أهميته عن المواضعة السابقة. يقول القاضي مشترطا المواضعة «اعلم أنه لا بدّ من لغة يتواضع عليها المخاطب أولا ليصحّ أن يفهم عن الله سبحانه وتعالى ما يخاطبه به والذي يدلّ على ذلك أن العلم بما يفيده الخطاب الوارد عن الله سبحانه هو علم بأنه أراد به ما يتعلق ذلك الخطاب به، فمتى لم

تتقدم من المخاطب لغة لم يعلم مراده، عزّ وجلّ، بكلامه، لأنه إنما يعلم ذلك متى تقدّم منه ما يقتضي صرف خطابه إلى ما تعارفه من اللغات، فيكون خطابه دلالة على مراده بتقدم المواضعة».

وإذا كانت معرفة قصد المتكلم بالكلام هي معرفة اضطرارية، فإن معرفة قصد الله بكلامه هي معرفة استدلالية عند المعتزلة. وقد سبقت الاشارة في الفصل السابق إلى أن قضايا العدل والتوحيد هي قضايا عقلية في الأساس الأول، وهي سابقة في معرفتها على الدلالة الشرعية، وهي دلالة الكلام. ومعنى ذلك أننا بالعقل نعرف قصد الله وما يصحّ أن يختاره ويأمر به وما لا يجوز عليه من ذلك. وهذه المعرفة تمكننا من صحة الاستدلال بكلامه عز وجل. ولا يمكن عند المعتزلة أن يدل كلام الله على خلاف ما دلّ عليه العقل «لأن الناصب لأدلة السمع هو الذي نصب أدلة العقل فلا يجوز فيهما التناقض» .

وبناء على ذلك فإذا ورد في كلام الله الدلالة الشرعية ما يدل ظاهره على خلاف ما يدل عليه العقل وجب علينا أن نتأوله لأن الدلالة الشرعية والدلالة العقلية يتطابقان ولا يتناقضان «واعلم أن ورود الشرائع والمصالح على المكلف أشدّ مطابقة لما في عقله ومناسبة لما يرد على المكلف من اختلاف الأمور التي تختلف بالعادات والتجارب. يبين ذلك أن ما يرد بالسمع يكون علما مقطوعا لأنه لا يجوز خلافه، كما لا يجوز خلاف ما في العقول، ولأن ما يرد بالسمع تكليف كما أن ما يرد بالعقل تكليف من قبل القديم، وكشف العقل عنهما وعن وجوبهما وطريقة وجوبهما لا يختلف. ولذلك قلنا: إن أصل التكليف يقتضيه العقل كما أن السمع يقتضيه العقل واقتضاءه لهما لا يختلف» . وهكذا يصبح التأويل ضرورة لا محيص عنها لرفع التناقض الظاهري بين أدلة العقل وادلة الشرع.

والسلاح الذي يستعمله المعتزلة للتأويل هو سلاح المجاز، وإذا كنا في الفقرة السابقة قد ركّزنا على وجه المجاز في الاسم المفرد، فإن علينا الآن أن نحدد كيفية الانتقال في الدلالة في التركيب ولقد سبق أن أشرنا إلى توحيد القاضي بين الصيغ اللغوية وردها كلها إلى معنى الخبر. والخبر لا يمكن أن يقع خبرا إلّا بقصد المتكلم وارادته، ومن حق المخبر والحال هذه أن يلغز في كلامه ويعرض ويستخدم المجاز «لو كان ما يتعلق بالخبر بزيد يستحيل تعلقه بغيره بالقصد، لبطل التوسع، لأنه إنما يتجوّز باللفظة إلى أن تستعمل في غير ما وضعت له، ولهذا يحتاج الحكيم أن يدل عليه، من حيث لولا الدلالة لكان ظاهرها كما وضعت له وفي هذا ابطال القول به. وقد أباح الله تعالى ذلك بقوله: {إِلََّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ}

{بِالْإِيمََانِ} لأنه إذا أكره على القول بأنه تعالى ثالث ثلاثة، فلو كان هذا الخبر يجب أن يتعلق بالله تعالى لاستحال أن يصير خلافه بالقصد. وقد علم أن الموضوع للأمر قد يستعمل في التهديد كقوله «واستفزز» وقوله: «اعملوا ما شئتم» وما وضع للخبر قد يستعمل في غيره فقد صح أن التجوّز به يصح في كل حال، وعلى كل وجه. فلولا أن اللفظة بعينها تقع على الوجهين بالقصد لما صح ذلك فيها».

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت