فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 269

والسلاح الذي يستعمله المعتزلة للتأويل هو سلاح المجاز، وإذا كنا في الفقرة السابقة قد ركّزنا على وجه المجاز في الاسم المفرد، فإن علينا الآن أن نحدد كيفية الانتقال في الدلالة في التركيب ولقد سبق أن أشرنا إلى توحيد القاضي بين الصيغ اللغوية وردها كلها إلى معنى الخبر. والخبر لا يمكن أن يقع خبرا إلّا بقصد المتكلم وارادته، ومن حق المخبر والحال هذه أن يلغز في كلامه ويعرض ويستخدم المجاز «لو كان ما يتعلق بالخبر بزيد يستحيل تعلقه بغيره بالقصد، لبطل التوسع، لأنه إنما يتجوّز باللفظة إلى أن تستعمل في غير ما وضعت له، ولهذا يحتاج الحكيم أن يدل عليه، من حيث لولا الدلالة لكان ظاهرها كما وضعت له وفي هذا ابطال القول به. وقد أباح الله تعالى ذلك بقوله: {إِلََّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ}

{بِالْإِيمََانِ} لأنه إذا أكره على القول بأنه تعالى ثالث ثلاثة، فلو كان هذا الخبر يجب أن يتعلق بالله تعالى لاستحال أن يصير خلافه بالقصد. وقد علم أن الموضوع للأمر قد يستعمل في التهديد كقوله «واستفزز» وقوله: «اعملوا ما شئتم» وما وضع للخبر قد يستعمل في غيره فقد صح أن التجوّز به يصح في كل حال، وعلى كل وجه. فلولا أن اللفظة بعينها تقع على الوجهين بالقصد لما صح ذلك فيها».

ومعنى ذلك أن قصد المتكلم هو الذي يحدد ما إذا كانت الصيغة اللغوية قد استعملت على حقيقتها المتواضع عليها، أو قد انتقلت إلى معنى مجازي. والصيغة اللغوية يمكن انتقالها من الحقيقة إلى المجاز، كما يمكن الانتقال في الاسم المفرد، فصيغة الأمر قد تستعمل للتهديد. والمعيار النهائي للتجاوز في الصيغ اللغوية هو قصد المتكلم وارادته. وقد سبقت لنا المعرفة العقلية بأن الله حكيم لا يختار القبيح ولا يأمر به. فإذا ورد في كلامه أمر يدل بصيغته على القبيح، كان لنا أن نتأوّل هذا الأمر على أن المقصود به هو التهديد. وهذه المعرفة بقصد الله وهي معرفة عقلية هي التي تسمح لنا بتأويل ظاهر الصيغة، وهي التي يطلق عليها المعتزلة القرينة العقلية أو الدليل العقلي.

وثمّ قرينة أخرى تسمح لنا باخراج النص عن ظاهره، وهي القرينة اللفظية المقارنة للكلام كالشرط والاستثناء، أو وجود خطاب آخر يفسر هذا الخطاب.

ولا يخلو كلام الله عز وجل عن هاتين الدلالتين أو القرينتين غير أن المعتزلة يعتبرون القرينة العقلية هي الأساس في عملية التأويل «فلذلك صحّ عندنا أن تدلّ على خصوص كلامه أدلة العقل، كما يدل عليه تقييد اللفظ، ودخول الشرط والاستثناء فيه، وتكون دلالة كالعهد المتقدم والمعهود بين المخاطب، وقد بيّنا أن ما حلّ هذا المحل هو أقوى من نفس المواضعة في الدلالة، فإذا كانت المواضعة المتقدمة تدل على المراد بالكلمة فالعهد بأدلة العقول وما قدر، جل وعز فيها بأن يدل على ذلك وأن يقدم، أولى» ولا يخلو كلام الله القرآن عن هذين النوعين من القرينة اطلاقا لأنه «لا بدّ أن يكون دليلا. وإنما يكون كذلك بوجهين: أحدهما: أن يريد ما يقتضيه ظاهره فيكون مجرده دلالة على المراد. أو يريد به غير ذلك فلا بدّ من بيان مقترن به كاقتران بعض الكلام ببعض، لأنه إن كان مما يدل بالسمع فلا بد من أن يتصل به أصل الشرط والاستثناء، أو ما يجري مجراهما، وإن كان من أدلة العقول فاقترانه به أوكد من ذلك، ولا يجوز في خطابه أن يخلو من هذين الوجهين»

وتقسيم خطاب الله هذه القسمة إلى ما يدل بدليل العقل، وإلى ما يدل بدليل الخطاب المقترن به لفظا، ليس الا التفرقة بين آيات الأحكام والتشريع،

والآيات التي تدل على التوحيد والعدل. ومن الطبيعي أن يضع المعتزلة النوع الأول فيما يدل بقرينة اللفظ، ويشترطون لدلالته أن يكون فيه ما يدل على المراد به «وعلى هذا الوجه بنى الفقهاء القول بالعموم والخصوص، لأنهم بينوا أن الصيغة تكون واحدة، وتكون مرة عموما، ومرة خصوصا» غير أن تخصيص العام أو تعميم الخاص لا بدّ أن يستند إلى قرينة لفظية في الخطاب نفسه، سواء في نفس الآية أو في آية أخرى غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت