وتقسيم خطاب الله هذه القسمة إلى ما يدل بدليل العقل، وإلى ما يدل بدليل الخطاب المقترن به لفظا، ليس الا التفرقة بين آيات الأحكام والتشريع،
والآيات التي تدل على التوحيد والعدل. ومن الطبيعي أن يضع المعتزلة النوع الأول فيما يدل بقرينة اللفظ، ويشترطون لدلالته أن يكون فيه ما يدل على المراد به «وعلى هذا الوجه بنى الفقهاء القول بالعموم والخصوص، لأنهم بينوا أن الصيغة تكون واحدة، وتكون مرة عموما، ومرة خصوصا» غير أن تخصيص العام أو تعميم الخاص لا بدّ أن يستند إلى قرينة لفظية في الخطاب نفسه، سواء في نفس الآية أو في آية أخرى غيرها.
أمّا الآيات التي تدلّ على التوحيد والعدل فهي الآيات التي تدلّ أولا بالدلالة العقلية. وقد كانت هذه الآيات هي مجال الخلاف في التأويل بين المعتزلة وخصومهم من الصفاتية والظاهرية والأشاعرة والمجسمة. وكان لا بدّ من البحث عن أساس للتأويلات الاعتزالية لهذه الآيات. وقد وجد المعتزلة في التفرقة بين المحكم والمتشابه وهي تفرقة قرآنية أساسهم الديني للتأويل، إلى جانب الأساس العقلي الذي أشرنا إليه. وهذه التفرقة وغايتها هي ما يعالجه الفصل التالي عن المجاز والتأويل.