ولكي يحقق الباحث هذه الغاية، كان عليه أن يعتمد بصفة أساسية على المصادر الأصلية للفكر الاعتزالي، دون غيرها من المصادر التي تؤرّخ لهم أو تحكي آراءهم. وقد أتيح لتلك المصادر أن ترى النور منذ فترة قليلة لا تزيد على السنوات العشر. وأهم هذه المصادر مؤلفات القاضي عبد الجبار الأسدآبادي المتوفى عام
415 -هـ، وهي مؤلفات كثيرة ومتنوعة. وأهم هذه المؤلفات موسوعته الضخمة «المغني في أبواب التوحيد والعدل» التي تقع في عشرين جزءا ما تزال ستة أجزاء منها مفقودة، وهي الأجزاء: الأول، والثاني، والثالث، والعاشر، والثامن عشر، والتاسع عشر، ولم يكن حجم هذه المؤلفات يمثّل صعوبة للباحث، وإنما. تركّزت الصعوبة الحقيقية في معاناة فهم هذه المادة المتشعبة بلغتها المعقدة التي كثيرا ما ألجأت الباحث إلى محاولة إعادة تركيب الجمل تقديما وتأخيرا، بل وإعرابها كلمة كلمة في أحيان كثيرة، حتى يطمئن إلى فهمه للفكرة التي يراد التعبير عنها. فإذا اضفنا إلى ذلك أن عملية تحقيق هذا الكتاب الضخم لا تكاد تتجاوز نسخ المخطوط الوحيد الذي تعتمد عليه في أغلب الأحيان، إلى شرح للمصطلحات أو بيان لأفكار المؤلف. إذا أضفنا ذلك كله أدركنا العبء المزدوج الذي كان على الباحث أن يقوم به. عبء الفهم وتقويم النص معا.
ونظرا لهذه الصعوبات، أحسّ الباحث أنه من الضروري أن يقف بالحدود الزمنية لبحثه عند القرن الرابع الهجري عصر القاضي عبد الجبار دون أن يتجاوزه، هذا القرن الذي يمثّل النضج النهائي للفكر الاعتزالي في عصر نهضته الثانية في بلاط الدولة البويهية. وكانت الإشارة للمؤلفات المتأخرة في بعض الاحيان تهدف إلى بيان الفكرة وتوضيحها دون التركيز على تحليلها في هذه المؤلفات.
ومن الطبيعي أن تفرض طبيعة المادة على الباحث طريقة التناول ومنهج العرض. وإذا كانت الأبحاث اللغوية والدلالية في مؤلفات المعتزلة قد جاءت متناثرة ومتفرقة، فقد كان على الباحث أن يحاول وضعها في نسق يحقق مبدأ الوحدة الفكرية التي حرص المعتزلة أنفسهم على تحقيقها، وإن حققوها بوسائلهم الخاصة التي خضعت في الغالب لمنهج التأليف القديم، ذلك المنهج الذي يعتمد على الاستطراد والاسهاب والتفريع. هذا علاوة على ما تميّز به المعتزلة خاصة من الجدل عن طريق الرد على اعتراضات الخصوم أو توهم اعتراضات يوردها المؤلف على نفسه.
وإذا كان المجاز وسيلة خاصة من وسائل الأداء اللغوي، فإن أي فهم لطبيعة المجاز ولوظيفته لا يمكن أن ينفصل عن تصور ما لطبيعة اللغة ودلالتها. وهذا التصور لطبيعة اللغة إنما يتمّ في ضوء تصور أعم لطبيعة النشاط العقلي في سعيه نحو المعرفة. ولقد كان لإعلاء المعتزلة من شأن العقل، هذا الإعلاء الذي ميّزهم عن غيرهم من المتكلمين، أثره في تنبههم للترابط بين مبحث المجاز وبين مجالات اللغة والمعرفة بشكل عام. ونتيجة لذلك كان من الطبيعي أن ينقسم البحث إلى
تمهيد وثلاثة فصول.