فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 269

أمّا قوله تعالى: {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ} فهو يثير إشكال العموم والخصوص، فأهل السنة يرون أنها مخصصة بدليل قوله تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ،} ويرى المعتزلة أن الآية عامة ليس فيها تخصيص وأن الله «خلقهم ليفعلوا ففعل بعضهم وترك بعض، وليس فيه لأهل القدر حجة» كما قال الفراء ويتفق القاضي عبد الجبار والزمخشري مع الفراء في هذا التفسير مع قليل من الاضافات الكلامية الضرورية. وعلى ذلك فالآية تعدّ من المحكم عند المعتزلة لأنهم يأخذونها بظاهرها دون حاجة لتأويل. أمّا الآية التي يستشهد بها أهل السنة فالمعتزلة يتأولونها على أن فيها مجازا وحذفا، وأن اللام في «لجهنم» ليست لام تعليل ولكنها لام العاقبة. وهكذا يتحوّل المجاز إلى سلاح تأويلي لرفض التناقض بين المحكم والمتشابه، وهو في النهاية يخضع للأساس العقلي الذي يستند إليه المعتزلة في عملية التأويل كلها.

وبنفس الطريقة ينفي الفراء عن الله أن يريد الكفر، ولذلك يقول في قوله تعالى {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} «يرضى لكم الشكر. وهذا مثل قوله:

{فَاخْشَوْهُمْ فَزََادَهُمْ إِيمََانًا} أي فزادهم قول الناس، فإن قال قائل: كيف قال {وَلََا يَرْضى ََ لِعِبََادِهِ الْكُفْرَ} وقد كفروا؟ قلت: إنه لا يرضى أن يكفروا فمعنى الكفر: أن يكفروا. وليس معناه الكفر بعينه. ومثله مما بينه لك أنك تقول: لست أحب الاساءة، واني لأحب أن يسيء فلان فيعذب فهذا مما يبين لك معناه».

والمأزق الذي يحاول الفراء الخروج منه مأزق دقيق جدا، فإذا كان الله لا يرضى لعباده الكفر، ومنهم من كفر فعلا. فمعنى ذلك أنه قد وقع في ملك الله ما لا يرضاه. ويخرج الفراء من المأزق بالتفرقة بين المصدر الصريح «الكفر» والمصدر المؤول «أن يكفر» وعلى ذلك فالله لا يرضى من الكفار أن يكفروا، أي لا يرضى منهم فعل الكفر. ويوضح المثل الذي ضربه الفراء هذه التفرقة، والفراء يحاول أن يثبت أن الكفر من فعل العباد وواقع منهم، لا من فعل الله.

والتعبير القرآني نفسه {وَلََا يَرْضى ََ لِعِبََادِهِ الْكُفْرَ} ينقلنا إلى جو آخر بعيد عن ذلك التأويل الجامد. فالتعبير بالفعل «يرضى» واضافة العباد إلى الهاء الراجعة إلى اسم الجلالة يخلق جوا من الألفة والقرب بين الله وهؤلاء العباد (عباده) ، ويكون عدم الرضا في هذه الحالة أقرب إلى اللوم الهادئ. قد يمكن للمعتزلي في هذه الحالة أن يعتبر اللوم دليلا على مسئولية الانسان عن الفعل، ونفي مسئولية الله، لكن ذلك يظلّ استنتاجا عقليا بعيدا عن روح الآية وما توحيه في نفس القارئ من قلق من عدم رضا سيده ومولاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت