فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 269

ومما قد يوهم الجهة قوله تعالى {فَفِرُّوا إِلَى اللََّهِ} ويكون تفسيرها «فروا إليه إلى طاعته من معصيته» وقد يكون من الضروري الاشارة إلى أن كل هذه التأويلات لا تسلم للمعتزلة من النقد، وإن وافقهم على بعضها خصومهم، فتسوية

الفراء بين المفرد والمثنى في اليد في قوله تعالى {مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}

يرد عليه ابن القيم الجوزية على أساس أنه تأويل «ما لم يحتمل اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع، وإن احتمله مفردا» «ولا ريب أن العرب تقول: لفلان عندي يد. وقال عروة بن مسعود للصديق رضي الله عنه لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم تعدّى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم وجعل ذلك خاصة خصّ بها صفيه آدم دون البشر كما خصّ المسيح بأنه نفخ فيه من روحه وخصّ موسى بأنه كلمه بلا واسطة» وبذلك ينظر ابن القيم نظرة أعمق إلى التركيب تحيل تأويل اليد على أنها النعمة. ويرى أيضا أن في تأويل {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلََائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ} بأن اتيان الرب اتيان بعض آياته التي هي أمره، وهذا يأباه السياق كل الإباء فإنه يمتنع حمله على ذلك مع التقسيم والتنويع والترديد ويستطيع الزمخشري أن يتخلّص من كل هذه الردود بقدرته العميقة على التحليل البلاغي للنص القرآني، فاليدان مثلا يصبحان عنده «أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه، فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب: هو مما عملت يداك»

فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التي ترتبط بالعدل، وهو المبدأ الثاني من مبادئ المعتزلة، والذي يتضمن نفي الظلم عن الله، ونفي أن يكون فعل العبد مخلوقا فيه على غير ارادته وميله، نجد أن مسلك الفراء أيضا هو التأويل، ونجده قد مهّد السبيل في كثير من الآيات لكثير من المعتزلة بعده ليسيروا على نفس الطريق الذي مهّده، كما نجده في أمثلة كثيرة يختلف عن معاصره أبي عبيدة في تأويل الآيات وشرحها. نجد هذا الخلاف واضحا في قوله تعالى {أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا} فأبو عبيدة قرأها «أمرنا» على وزن أفعل وفسّرها بأنها بمعنى أكثرنا، وذلك ليتفادى القول بارادة الله للقبيح، وهو خارجي يتفق مع المعتزلة في مبدأ العدل وحرية الانسان.

ولكن الفراء يتجه اتجاها آخر فهو يقبل القراءة المشهورة «أمرنا» يقول: «قرأ الأعمش وعاصم ورجال من أهل المدينة (أمرنا) خفيفة. حدثنا محمد قال حدثنا الفراء قال حدثني سفيان ابن عيينة عن حميد الأعرج عن مجاهد (أمرنا) خفيفة وفسر بعضهم (أمرنا مترفيها) بالطاعة (ففسقوا) أي أن المترف إذا أمر بالطاعة خالف إلى الفسوق» وهو التأويل الذي قبله القاضي عبد الجبار ورفضه الزمخشري كما أسلفنا. واعتراض الزمخشري قائم على أساس أن في الآية على هذا التأويل محذوفا لا يدل عليه السياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت