استغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل
أي إليه أوجه عملي» والاستشهاد بالشعر هنا لا يحل المشكلة، فالشاعر حين يتحدث عن وجهه وعمله، لا يعني أن كلمة الوجه هنا تعني الذات الانسانية كلها كما هو مقصود الفراء بتأويل الآية «إلّا هو» وإذا كان قد حاول الاستشهاد بالشعر في هذه الآية، فإنه في آية أخرى هي قوله تعالى {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يمر بها
مرورا سريعا ليقول «بالوفاء والعهد» . وقد سبق أن توقفنا عند هذه الآية مع مقاتل ورأينا كيف نجح الزمخشري عن طريق ادراك البعد التصويري للآية ان يتخلّص من الحرج. وتستحق كلمة «الساق» في قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ}
وقفة أطول من الفراء وذلك لتوجيه الحركة على الياء في «يكشف» ثم الاستشهاد على الاستعمال المجازي للفظ «ساق» ثانيا. يقول: «القراء مجتمعون على رفع الياء عن ابن عباس أنه قرأ يوم تكشف عن ساق يريد القيامة والساعة لشدتها. وأنشدني بعض العرب لجد أبي طرفة:
كشفت لهم عن ساقها ... وبدا الشر لا براح»
وإذا كان التعبير باليد في قوله تعالى {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} لم يحتج إلى كبير جهد لتفسير اليد على أنها «بالوفاء والعهد» فإن التعبير «بيدي استكبرت» قد يلغي فكرة التجاوز، أو على الأقل يعوقها، على أساس أن تثنية اليد يؤكّد إرادة معناها الحقيقي لا المجازي، ولهذا فهو يحتاج إلى وقفة أطول. وهدف الفراء من هذه الوقفة أن يساوي في الدلالة بين المفرد والمثنى فيقول: «اجتمعت القرّاء على التثنية ولو قرأ قارئ (بيدي) يريد يدا واحدة كان صوابا كقول الشاعر:
أيها المبتغي فناء قريش ... بيد الله عمرها والفناء
والواحد من هذا يكفي عن الاثنين، وكذلك العينان والرجلان واليدان تكتفي احداهما من الأخرى، لأن معناهما واحد» ويكاد الفراء لولا الخشية يقترح قراءة للإفراد يفضلها على قراءة المثنى لأنها أسهل في التأويل من صيغة المثنى.
ويواصل الفراء عملية التأويل للآيات التي توهم الحلول في المكان أو التحيز في الجهة. فإذا أخبر الله عن نفسه بقوله: {وَهُوَ الْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ} فمعنى ذلك أن «كل شيء قهر شيئا فهو مستعل عليه» وإذا وصف نفسه بأنه هو «الظاهر والباطن» فهذا ليس ظهورا ماديا متحيزا بل «الظاهر» على كل شيء علما، وكذلك «الباطن» على كل شيء علما» وكذلك لا يجوز على الله الاتيان والتحرك والمجيء، فإن قال {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلََائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ} فالتفسير أن «اتيان الملائكة لقبض ارواحهم (أو يأتي ربك) : القيامة (أو يأتي بعض آيات ربك) : طلوع الشمس من مغربها» .
ومما قد يوهم الجهة قوله تعالى {فَفِرُّوا إِلَى اللََّهِ} ويكون تفسيرها «فروا إليه إلى طاعته من معصيته» وقد يكون من الضروري الاشارة إلى أن كل هذه التأويلات لا تسلم للمعتزلة من النقد، وإن وافقهم على بعضها خصومهم، فتسوية
الفراء بين المفرد والمثنى في اليد في قوله تعالى {مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}
يرد عليه ابن القيم الجوزية على أساس أنه تأويل «ما لم يحتمل اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع، وإن احتمله مفردا» «ولا ريب أن العرب تقول: لفلان عندي يد. وقال عروة بن مسعود للصديق رضي الله عنه لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم تعدّى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم وجعل ذلك خاصة خصّ بها صفيه آدم دون البشر كما خصّ المسيح بأنه نفخ فيه من روحه وخصّ موسى بأنه كلمه بلا واسطة» وبذلك ينظر ابن القيم نظرة أعمق إلى التركيب تحيل تأويل اليد على أنها النعمة. ويرى أيضا أن في تأويل {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلََائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ} بأن اتيان الرب اتيان بعض آياته التي هي أمره، وهذا يأباه السياق كل الإباء فإنه يمتنع حمله على ذلك مع التقسيم والتنويع والترديد ويستطيع الزمخشري أن يتخلّص من كل هذه الردود بقدرته العميقة على التحليل البلاغي للنص القرآني، فاليدان مثلا يصبحان عنده «أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه، فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب: هو مما عملت يداك»