فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 269

ولقد أدرك الداعي أحمد حميد الدين الكرماني هذه المعضلة، وهاجم المعتزلة لأنهم «قالوا بأفواههم قول الموحدين واعتقدوا بأفئدتهم اعتقاد الملحدين، بنقضهم قولهم أولا بأن الله لا يوصف بصفات المخلوقين باطلاقهم على الله سبحانه وتعالى ما يستحقه غير الله تعالى من الصفات من القول بأنه حي عالم قادر فسائر الصفات» . وبصرف النظر عن هذه الحدة في الهجوم والاتهام، فالأساس الذي يعتمد عليه الكرماني وبصرف النظر عن نتائجه عنده هو معضلة اللغة التي

أشرنا إليها «وإذا كانت الأسماء والصفات والألفاظ مشاكلة لما تدل عليه، وكانت الأسماء والألفاظ مؤلفة من الحروف البسيطة التي تبنى سائر اللغات منها، والحروف محدثة، كان ما تدل عليه وتوجبه في مثل حالها محدثا، وإذا كان ما تدل عليه الحروف المركبة في اللغات كلها محدثا، مثلها على ما بيناه وهو تعالى كبرياؤه ليس بمحدث، فقد استبان امتناع الحروف المركبة الحادثة عنها اللغات عن أن يكون لها سلوك في الدلالة على ما يليق بكبريائه، بكونه تعالى مباينا للمحدثات وغير مناسب لها ولا من جوهرها، وإذا كان مباينا للمحدثات فقد حصل اليأس بالكلية من أن تكون للالفاظ والعبارات دلالة على شيء يستحقه تعالى الله سبحانه، وأسفر عن صدق الموحدين بأنه لا يعرب عنه بلفظ قول ولا بعقد ضمير، وكيف يكون للحروف دلالة على هوية ظهرت عنها المبدعات والمنبعثات والمكونات التي منها هي، وهو تعالى من ورائها في ذروة العزة فلا تهتدي العقول إلى تناوله بصفة، أم كيف يكون للعقل طريق إلى تصور فيه وهي لا تعقل إلّا بما شملته سمة الجوهرية والعرضية! كلا إنه من العلاء في سمائه ومن الكمال في روائه فسبحانه من إله لا تعرب عنه الألفاظ والعبارات بشيء إلّا وكان ذلك الشيء تحت اختراعه» وإذا كان الكرماني ينتهي بنا إلى اليأس المطلق من امكانية التعبير عمّا جاوز الواقع الحسي بلغة الواقع والحس، ويعتبر أن اثبات أي صفة من صفات اللغة المعروفة لله المتعالي كذب محض فإنه يحاول حل المعضلة عن طريق استخدام النفي بدل الاثبات في وصفه عز وجل ومع هذا كله فقد نزل القرآن للناس كافة، وكان لا بدّ من التعبير عن هذا الموجود اللامتناهي بلغة الحس المتناهية، ومن أجل ذلك استخدم القرآن اللغة التصويرية ليخاطب الناس على قدر عقولهم.

من الطبيعي بعد ذلك كله ألّا تفلح دائما محاولة رد القرآن للشعر العربي، خصوصا فيما يتصل بآيات الصفات. ومن الطبيعي كذلك أن يقع الاختلاف بين الفرق، ولنر الآن ماذا فعل الفراء.

يقول الفراء في قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلََّا وَجْهَهُ} «إلّا هو» . وقال الشاعر:

استغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل

أي إليه أوجه عملي» والاستشهاد بالشعر هنا لا يحل المشكلة، فالشاعر حين يتحدث عن وجهه وعمله، لا يعني أن كلمة الوجه هنا تعني الذات الانسانية كلها كما هو مقصود الفراء بتأويل الآية «إلّا هو» وإذا كان قد حاول الاستشهاد بالشعر في هذه الآية، فإنه في آية أخرى هي قوله تعالى {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يمر بها

مرورا سريعا ليقول «بالوفاء والعهد» . وقد سبق أن توقفنا عند هذه الآية مع مقاتل ورأينا كيف نجح الزمخشري عن طريق ادراك البعد التصويري للآية ان يتخلّص من الحرج. وتستحق كلمة «الساق» في قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ}

وقفة أطول من الفراء وذلك لتوجيه الحركة على الياء في «يكشف» ثم الاستشهاد على الاستعمال المجازي للفظ «ساق» ثانيا. يقول: «القراء مجتمعون على رفع الياء عن ابن عباس أنه قرأ يوم تكشف عن ساق يريد القيامة والساعة لشدتها. وأنشدني بعض العرب لجد أبي طرفة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت