وإن كان جائزا، لأن المفسرين قالوا: بل عجبت يا محمد ويسخرون هم. فهذا وجه النصب». والفراء، وإن انتهى إلى اختيار قراءة الرفع، لا يجد مفرّا من القول بأن عجب الله ليس كعجب المخلوقين، دون أن يبين ذلك أو يوضحه. ومع
ذلك يجد لقراءة النصب وجها على قول المفسرين.
وفي آية أخرى يختار الفراء القراءة التي تتفق مع التنزيه في تصوره، وذلك في قول تعالى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} يقول «بالتاء والياء. قرأها أهل المدينة وعاصم بن أبي النجود والأعمش بالياء: (يستطيع ربك) وقد يكون ذلك على قولك: هل يستطيع فلان القيام معنا؟ وأنت تعلم أنه يستطيعه، فهذا وجه. وذكر عن علي وعائشة رحمهما الله أنهما قرآ (هل تستطيع ربك) بالتاء، وهذا وجه حسن، أي هل تقدر أن تسأل ربك (أن ينزل علينا مائدة من السماء) ولم تكن الآية في حاجة للترجيح بين القراءتين، فسياق الآية يحتمل قراءة الياء على أساس أن القول صادر من الحواريين الذين كثيرا ما أرهقوا الرسل بمطالبهم. والآية بعد ذلك في سياق قصصي ولا تحتاج لتأويل من وجهة نظر المسلم العادي، فضلا عن المعتزلي.
وفي قوله تعالى {وَلِلََّهِ مِيرََاثُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ} تثير كلمة ميراث بما تتضمنه من معنى الحصول على شيء، شيئا من الخشية، وهي خشية واردة خصوصا من أولئك الذين لا يدركون أسرار اللغة، ومن ثم يصبح الشرح والتبسيط وسيلة لا غنى عنها، ويصبح المعنى «يميت الله أهل السموات وأهل الأرض ويبقى وحده، فذلك ميراثه تبارك وتعالى أنه يبقى ويفنى كل شيء» .
فإذا انتقلنا لمناقشة وقفات الفراء أمام الآيات التي تثبت لله جوارح، وجدنا أن استشهاد الفراء بالشعر لا يحل له المشكلة، فالواقع أن التصور التنزيهي الكامل للذات الالهية كما يبتغيه المعتزلة يبدو غاية في الصعوبة بحكم حسية اللغة من جانب، والتصورات البشرية للوجود من جانب آخر. فاللغة مليئة بالعبارات التي تسند للموجودات أحاسيس البشر وجوارح البشر، فنحن نقول «عنق الزجاجة» و «رجل الكرسي» الخ هذه العبارات التي تستعير من الجسم الانساني لتعبّر عمّا هو غير انساني. «والحق أن جسم الانسان يعدّ قطّاعا من القطاعات البارزة التي تنتقل الكلمات منها وإليها، أو قل إنه مركز الانتشار والجاذبية» المعضلة إذن في استخدام اللغة للتعبير عن الله، أنك لا تستطيع أن تنجو من التشبيه مهما حاولت.
ولقد أدرك الداعي أحمد حميد الدين الكرماني هذه المعضلة، وهاجم المعتزلة لأنهم «قالوا بأفواههم قول الموحدين واعتقدوا بأفئدتهم اعتقاد الملحدين، بنقضهم قولهم أولا بأن الله لا يوصف بصفات المخلوقين باطلاقهم على الله سبحانه وتعالى ما يستحقه غير الله تعالى من الصفات من القول بأنه حي عالم قادر فسائر الصفات» . وبصرف النظر عن هذه الحدة في الهجوم والاتهام، فالأساس الذي يعتمد عليه الكرماني وبصرف النظر عن نتائجه عنده هو معضلة اللغة التي
أشرنا إليها «وإذا كانت الأسماء والصفات والألفاظ مشاكلة لما تدل عليه، وكانت الأسماء والألفاظ مؤلفة من الحروف البسيطة التي تبنى سائر اللغات منها، والحروف محدثة، كان ما تدل عليه وتوجبه في مثل حالها محدثا، وإذا كان ما تدل عليه الحروف المركبة في اللغات كلها محدثا، مثلها على ما بيناه وهو تعالى كبرياؤه ليس بمحدث، فقد استبان امتناع الحروف المركبة الحادثة عنها اللغات عن أن يكون لها سلوك في الدلالة على ما يليق بكبريائه، بكونه تعالى مباينا للمحدثات وغير مناسب لها ولا من جوهرها، وإذا كان مباينا للمحدثات فقد حصل اليأس بالكلية من أن تكون للالفاظ والعبارات دلالة على شيء يستحقه تعالى الله سبحانه، وأسفر عن صدق الموحدين بأنه لا يعرب عنه بلفظ قول ولا بعقد ضمير، وكيف يكون للحروف دلالة على هوية ظهرت عنها المبدعات والمنبعثات والمكونات التي منها هي، وهو تعالى من ورائها في ذروة العزة فلا تهتدي العقول إلى تناوله بصفة، أم كيف يكون للعقل طريق إلى تصور فيه وهي لا تعقل إلّا بما شملته سمة الجوهرية والعرضية! كلا إنه من العلاء في سمائه ومن الكمال في روائه فسبحانه من إله لا تعرب عنه الألفاظ والعبارات بشيء إلّا وكان ذلك الشيء تحت اختراعه» وإذا كان الكرماني ينتهي بنا إلى اليأس المطلق من امكانية التعبير عمّا جاوز الواقع الحسي بلغة الواقع والحس، ويعتبر أن اثبات أي صفة من صفات اللغة المعروفة لله المتعالي كذب محض فإنه يحاول حل المعضلة عن طريق استخدام النفي بدل الاثبات في وصفه عز وجل ومع هذا كله فقد نزل القرآن للناس كافة، وكان لا بدّ من التعبير عن هذا الموجود اللامتناهي بلغة الحس المتناهية، ومن أجل ذلك استخدم القرآن اللغة التصويرية ليخاطب الناس على قدر عقولهم.