فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 269

والفكرة المطروحة هنا، أعني فكرة المخاطبة على حسب اعتقاد المخاطب وعلى

قدر عقله، وعلى قدر ما تتسع له لغته بمواضعتها وأبنيتها، لو وسعها المعتزلة قليلا ليناقشوا على أساسها كل الآيات التي اعتبروها متشابهات لاقتربوا بذلك من التحليل السليم لهذه الآيات، ولأدركوا جوهر المشكلة المعقدة التي واجهتهم وهي «أن الوحي قد اختار اللغة العربية كنظام إشاري عام بين الله والانسان» وهي لغة بطبيعتها بشرية ومحدودة، لا تتسع إلّا لمدارك البشر ومعارفهم. ولكن هذه الفكرة فكرة المخاطبة على قدر عقل المخاطب واعتقاده ظلّت للأسف فكرة جزئية، يلجأ إليها المعتزلة في تأويل بعض الآيات. والفراء في المثال السابق يريد أن ينفي الجهل عن الله، ومن ثم يلجأ إلى هذه الفكرة التي تكشف عن هدفه لكنها تظل فكرة جزئية تدور في اطار نحوي هو تقدير محذوف هي كلمة (عندك) أو (عندكم) .

ولقد كانت هذه الفكرة نفسها حتى مع ضيقها وجزئيتها كفيلة بأن تحل مشكلة الآيات التي تنسب إلى الله افعال البشر من المكر والعجب وكافة الانفعالات الانسانية. لكن الفراء يطرحها وراء ظهره تماما حين يتعرّض لمثل هذه الآيات.

ففي قوله تعالى {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللََّهُ} يقول: «نزل هذا في شأن عيسى إذ أرادوا قتله، فدخل بيتا فيه كوّة وقد أيده الله تبارك وتعالى بجبريل صلى الله عليه وسلم، فرفعه إلى السماء من الكوّة ودخل عليه رجل منهم ليقتله، فألقى الله على ذلك الرجل شبه عيسى بن مريم. فلما دخل البيت فلم يجد فيه عيسى خرج إليهم وهو يقول: ما في البيت أحد، فقتلوه وهم يرون أنه عيسى. فذلك قوله {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللََّهُ}

والمكر من الله استدراج، لا على مكر المخلوقين» وبذلك يعتمد الفراء على الموروث القصصي لينفي المكر بالمعنى الانساني عن الله.

فإذا انتقل إلى آية أخرى هي قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} راح يرجح بين القراءات. يقول: «قرأها الناس بنصب التاء ورفعها والرفع إلي أحب لأنها قراءة علي وابن مسعود وعبد الله بن عباس قال شقيق: قرأت عند شريح {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} فقال: إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم. قال: فذكرت ذلك لابراهيم النخعي فقال: إن شريحا شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلم بذلك منه. قرأها (بل عجبت) . قال أبو زكريا: والعجب وإن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد وكذلك قوله {اللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}

ليس ذلك من الله كمعناه من العباد ففي هذا بيان بكسر قول شريح.

وإن كان جائزا، لأن المفسرين قالوا: بل عجبت يا محمد ويسخرون هم. فهذا وجه النصب». والفراء، وإن انتهى إلى اختيار قراءة الرفع، لا يجد مفرّا من القول بأن عجب الله ليس كعجب المخلوقين، دون أن يبين ذلك أو يوضحه. ومع

ذلك يجد لقراءة النصب وجها على قول المفسرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت