ومما يؤكّد الارتباط بين تطور المصطلح البلاغي، والخلافات العقائدية أن أول كتاب متخصص يصلنا في تحليل النص القرآني هو لمقاتل بن سليمان (ت 150هـ) الذي تنسب إليه المصادر القول بالتجسيم، كما تنسب إليه مجادلته لجهم بن صفوان (ت 128هـ) . وقد سبقت الاشارة في التمهيد إلى دور جهم في ثورة الحارث بن سريج في عهد هشام بن عبد الملك، وكان مقاتل في المعسكر المعادي للحارث. والتقى كل من جهم ومقاتل كممثلين لا تجاهين متعارضين، سياسيا وفكريا. وعنوان الكتاب «الأشباه والنظائر» بل والكتاب نفسه بمنهجه وطريقة تناوله للنص القرآني يكشف عن ذلك الاحساس بتعدد دلالات اللفظ الواحد تبعا لتعدد السياقات واختلافها، وهو بذلك يقرّبنا خطوة إلى جو «المجاز» بمعناه الاصطلاحي. ويعدّ الكتاب بذلك تطبيقا لما سبق أن ألمح إليه علي بن أبي طالب من قبل من أن «القرآن حمّال أوجه» وهذا الاحساس بتعدد دلالات اللفظ الواحد في القرآن ظلّ يلحّ على أفئدة المفسرين ويؤرقهم حتى صار موضوع «الوجوه والنظائر» فرعا من فروع الدراسات القرآنية، كالناسخ والمنسوخ، والاعراب الخ وهو فرع يعرّفه السيوطي بقوله: «فالوجوه اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة وقيل النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني» وكتاب مقاتل يتعرض لبعض الألفاظ والعبارات، بل والحروف أيضا، التي وردت في القرآن، ويحاول أن يحصر «وجوه» معاني هذه الألفاظ والعبارات
والحروف، مستشهدا على كل وجه من هذه الوجوه بمجموعة من الآيات القرآنية.
والذي نلاحظه أن مقاتلا معني بالدرجة الأولى بشرح معنى اللفظ في سياقاته المختلفة. ومعنى ذلك أن فكرة الانتقال في الدلالة من معنى إلى معنى باللفظ الواحد كانت واردة في ذهن مقاتل، وإن لم يشغل نفسه بمحاولة الكشف عن العلاقة القائمة بين هذه الدلالات أو الوجوه المختلفة للفظ الواحد. وتسمية المعاني نفسها باسم «وجوه» يؤكّد وجود ذلك الاحساس بتعدد الدلالات للفظ الواحد واختلافها من سياق إلى سياق ومن تركيب إلى تركيب. يقول مقاتل معبرا عن ذلك الاحساس «لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» .
ويدرك مقاتل ادراكا واضحا أن للفظ الواحد معنى محددا أو وجها محددا، ويدرك أن باقي الوجوه أو المعاني فروع لذلك المعنى أو الوجه. وحين يشير إلى ذلك الوجه أو المعنى الأصلي إن صحّ لنا استخدام هذه الكلمة الآن يقول «كذا عينه» .
وهو يعني بذلك أن هذا الوجه من وجوه معاني اللفظ هو الوجه المعروف المتداول، والذي يطرأ على الذهن لأول وهلة. فكلمة «الموت» مثلا لها خمسة وجوه، الأربعة الأولى كلها معان فرعية، كأن يشار بها في القرآن إلى النطف التي لم تخلق، أو إلى الضال عن التوحيد، أو إلى جدوبة الأرض وقلة النبات، أو إلى ذهاب الروح عقوبة بغير أن يستوفوا الأرزاق. ثم يشير مقاتل إلى الوجه الخامس الأصلي بقوله: «الموت بعينه. ذهاب الروح بالآجال وهو الموت الذي لا يرجع صاحبه إلى الدنيا، فذلك قوله {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} وقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ الْمَوْتِ} وهذا الوجه الخامس هو المعنى المباشر أو الأصلي لكلمة «الموت» أمّا باقي الوجوه الأربعة فهي معان فرعية أو دلالات ثانوية.
ويسلك مقاتل نفس المسلك ازاء بعض العبارات والتراكيب القرآنية، فيتوقف عند عبارات «الحسنة والسيئة» و «الظلمات والنور» و «الطيب والخبيث» و «أقام الصلاة» و «ما بين أيديهم وما خلفهم» و «مستقر ومستودع» ولا يختلف بيانه لوجوه هذه العبارات ومعانيها كثيرا عن بيانه لوجوه الألفاظ، بمعنى أنه يشير إلى الوجوه الفرعية، أو الدلالات غير المباشرة، كما يشير إلى الوجه الأصلي أو الدلالة المباشرة. فعبارة «الظلمات والنور» على سبيل المثال لها وجهان «فوجه منهما: الظلمات يعني الشرك، فذلك قوله في البقرة {اللََّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمََاتِ إِلَى النُّورِ} يعني يخرجهم من الشرك إلى الايمان، نظيرها عنده. وقال في الأحزاب {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلََائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمََاتِ إِلَى النُّورِ}
يعني من الشرك إلى الايمان ونحوه كثير. والوجه الثاني: الظلمات: الليل، والنور، يعني النهار، فذلك قوله في الأنعام: الْحَمْدُ لِلََّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ
وَجَعَلَ الظُّلُمََاتِ وَالنُّورَ يعني جعل الليل والنهار ليس مثلهما في القرآن». ولا يتوقف مقاتل وهذا طبيعي أمام التعبير بالظلمات والنور عن الشرك والايمان ليبين العلاقة بين الوجهين، وذلك لأن غايته هي ايراد المعنى المباشر لهذه الألفاظ والعبارات ووجوهها المختلفة في القرآن.