فإذا تركنا هذه الجوانب، وجدنا ابن قتيبة يميل إلى الارجاء بالمعنى السني الذي وجدناه عند مقاتل بن سليمان، فمعنى الايمان عنده هو التصديق. ولا تكاد تخرج معاني الايمان في القرآن عنده عن وجوه المعاني التي عرض لها مقاتل في كلمة ايمان. ولتأكيد اتفاقه مع مقاتل فيما ذهب إليه نلاحظ أنه عند تفسير قوله تعالى: {خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ السَّمََاوََاتُ وَالْأَرْضُ إِلََّا مََا شََاءَ رَبُّكَ} يتوقف وقفة طويلة، ويقترح ثلاثة تأويلات للآية. أمّا التأويل الأول فهو يتفق مع المعتزلة على أن ارتباط الخلود بدوام السماوات والأرض لا يعني انقطاعه «وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه عن هيئتهما» لكنهما خالدتان وليستا زائلتين. أمّا الاستثناء فتأويله أن «إلّا في هذا الموضع بمعنى «سوى» ومثله في الكلام: لأسكنن في هذه الدار حولا إلّا ما شئت. تريد سوى ما شئت أن أزيد على الحول» ومعنى ذلك أن الاستثناء لا يعني انقطاع الخلود في الجنة أو النار وإنما يعني أنه دائم «سوى ما شاء الله أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم. أمّا الوجه الثاني فهو «أن يجعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد، على ما تعرف العرب وتستعمل، وإن كانتا تتغيران، وتستثنى المشيئة من دوامهما، لأن أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا لا في الجنة، فإنه قال: خالدين في الجنة وخالدين في النار دوام السماء والأرض، إلّا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك» وهذا الوجه أيضا لا يختلف عمّا قاله المعتزلة، والمتأخرون منهم خصوصا القاضي عبد الجبار والزمخشري. أمّا الوجه الثالث من وجوه التأويل وهو الذي يهمنا فيما يتصل بارجاء ابن قتيبة هو أن يكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار حتى تلحقهم رحمة الله، وشفاعة رسوله، فيخرجوا منها إلى الجنة»
وننتهي من ذلك كله إلى أن معنى «المتشابه» عند ابن قتيبة لم يقتصر على الآيات الخلافية، بل اتسع ليشمل كل ما هو غامض أو محل للطعن أو التشكيك، سواء من الوجهة الكلامية، أو اللغوية، أو النحوية، أو البلاغية وكانت نتيجة ذلك كله أن «المتشابه» لا يخضع عنده للمحكم، وإن خضع للتأويل المجازي بمعنى عام. وإذا كنا قد لاحظنا أنه ردّ قوله تعالى {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ} إلى قوله {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} فإن ذلك لم يصدر في الغالب عن تصور كامل لضرورة رد المتشابه إلى المحكم. ومعنى ذلك أن قانون «المحكم والمتشابه» كأساس لعملية التأويل، واستخدام المجاز كأداة من أدوات التأويل، هو مسلك اعتزالي صرف، نقله غير المعتزلة عنهم وحاولوا بذلك الرد عليهم بنفس أدواتهم وأسلحتهم.