ويتوقف ابن قتيبة طويلا أمام قوله {يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشََاءُ} لينفي عنه تأويلات المعتزلة السابقين عليه، وهو يعتمد في ذلك على التفرقة بين صيغتي أفعل بزيادة الهمزة، وفعل بالتضعيف ومعنى كل منهما. فصيغة أفعل تعني وجدت الشيء على صفة، بينما فعل تعني وصف الشيء بصفة وذهب «أهل القدر» في قوله عز وجل: {يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشََاءُ} إلى أنه على جهة التسمية والحكم عليهم بالضلالة، ولهم بالهداية وقال «فريق منهم» يضلهم ينسبهم إلى الضلالة، ويهديهم: يبين لهم ويرشدهم. فخالفوا بين الحكمين. ونحن لا نعرف في
اللغة أفعلت الرجل نسبته. وإنما يقال إذا أردت هذا المعنى فعلت. تقول: شجعت الرجل وجبنته وسرقته وخطأته وكفرته وفسقته وفجرته ولحنته. وقرئ: (ان ابنك سرق) أي نسب الى السرق. ولا يقال في شيء من هذا كله، أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك.
وقد احتج «رجل من النحويين» كان يذهب إلى «القدر» لقول العرب:
كذبت الرجل وأكذبته. بقول الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لََا يُكَذِّبُونَكَ} ولا يكذبونك، وذكر أن أكذبت وكذبت جميعا بمعنى: نسبت إلى الكذب وليس ذاك كما تأوّل، وإنما معنى أكذبت الرجل: ألفيته كاذبا. وقول الله تبارك وتعالى: {فَإِنَّهُمْ لََا يُكَذِّبُونَكَ}
بالتخفيف أي: لا يجدونك كاذبا فيما جئت به، كما تقول: أبخلت الرجل وأجبنته وأحمقته، أي وجدته جبانا بخيلا أحمق». وواضح أن الجدل والنقاش كان يجعل كلا الفريقين يعدل من موقفه وتأويلاته تفاديا لهجوم خصمه، فالزمخشري يتخلّص من هذا المأزق اللغوي في الآية عن طريق اخضاعها لمقولة اللطف والخذلان فالضلال معناه «أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه {وَيَهْدِي مَنْ يَشََاءُ} هو أن يلطف بمن علم أنه يختار الايمان: يعني أنه بنى الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب، ولم يبنه على الاجبار الذي لا يستحق به شيء من ذلك وحققه بقوله {وَلَتُسْئَلُنَّ عَمََّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ولو كان هو المضطر إلى الضلال والاهتداء لما أثبت لهم عملا يسألون عنه» . والزمخشري إلى جانب ربطه بين أول الآية وآخرها، يستغلّ مقولة اللطف استغلالا ذكيا، ربما لم يكن معاصر وابن قتيبة أو السابقون عليه قادرين عليه.
وفي مجيء اللفظ عاما يراد به الخصوص، يتعرّض ابن قتيبة لآية سبق أن تعرض لها الفراء، وأخذها على عمومها وهي قوله تعالى {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ.} أمّا ابن قتيبة فهو يخصص عموم الآية. يقول: «يريد المؤمنين منهم. يدلك على ذلك قوله في موضع آخر: {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} وفي استشهاد ابن قتيبة بالآية الأخيرة على أنها محكمة، وهي عند المعتزلة متشابهة، ما يؤكّد ما سبق أن قلناه من أن كلا الفريقين المعتزلة وأهل السنة قد حاولوا تقسيم القرآن طبقا لمعتقداتهم وأفكارهم، فكل ما أيّد هذه الأفكار اعتبروه محكما، وكل ما خالفها اعتبروه متشابها. وبذلك أصبح «المجاز» سلاحا للتأويل. ولذلك كله ليس غريبا أن يضع ابن قتيبة «العموم والخصوص» وهي مقولة فقهية في الأساس الأول ضمن أنواع المجاز.