* * * ذهب أبو علي الفارسي أستاذ ابن جني إلى ما ذهب إليه أبو علي الجبائي من أن اللغات «من عند الله» واحتج بقوله سبحانه، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا} ورغم محاولة ابن جني رفع التناقض وتأويل الآية وجعلها بعيدة عن أن تكون موضع خلاف على أساس «أنه قد يجوز أن يكون تأويله أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله لا محالة. فإذا كان ذلك محتملا، غير مستنكر، سقط الاستدلال به» . وهو تأويل يخرج من الافتراضات التي افترضها كل من أبي هاشم والقاضي عبد الجبار وتأوّلا الآية على أساسها. رغم هذه المحاولة الناجحة إلى حد كبير، والتي تقترب من حل المشكلة، يعود ابن جني ليفترض ان الله قد يجوز أن يواضع ابتداء، ودون مواضعة على لغة سابقة وذلك «بأن يحدث في جسم من الأجسام، خشبة أو غيرها، اقبالا على شخص من الأشخاص، وتحريكا لها نحوه، ويسمع في نفس تحريك الخشبة نحو ذلك الشخص صوتا يضعه اسما له، ويعيد حركة تلك الخشبة نحو ذلك الشخص دفعات، مع أنه عز اسمه قادر على أن يقنع في تعريفه ذلك، بالمرة الواحدة، فتقوم الخشبة في هذا الايماء، وهذه الاشارة، مقام جارحة ابن آدم في الاشارة بها في المواضعة» وهو افتراض لا يختلف كثيرا عن افتراض زملائه المعتزلة أن الله يخلق كلاما في جسم، شجرة مثلا، يسمعه النبي، وأنه لا يجوز أن يكون الله متكلما إلّا على هذا النحو، دون أن يحلّ الكلام وهو عرض في ذاته. غير أن هذا الافتراض قصد منه نفي قدم الكلام الإلهي، وافتراض ابن جني مجرد محاولة للجمع بين جواز أن تكون اللغة توقيفا من الله، وبين نفي الاشارة والجارحة عن الله. والواقع أن ابن جني ظلّ مترددا بين الأمرين بين الاصطلاح والتوقيف وسجّل لنا هذه الحيرة والتردد. «واعلم فيما بعد، أنني على تقادم الوقت، دائم التنقير والبحث في هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي، مختلفة جهات التغول على فكري، وذلك أنني إذا تأمّلت حال هذه اللغة الشريفة، الكريمة، اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة، والدقة، والارهاف، والرقة، ما يملك عليّ جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر، فمن ذلك ما نبّه عليه أصحابنا رحمهم الله، ومنه ما حذوته على أمثلتهم، فعرفت بتتابعه وانقياده، وبعد مراميه وآماده، صحة ما وفقوا لتقديمه منه، ولطف ما أسعدوا به، وفرق لهم عنه، وانضاف الى ذلك
وارد الأخبار المأثورة، بأنها من عند الله جل وعز، فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفا من الله سبحانه، وأنها وحي. ثمّ أقول في ضد هذا كما وقع لأصحابنا ولنا، وتنبهوا وتنبهنا، على تأمّل هذه الحكمة الرائعة الباهرة كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا، وإن بعد مداه عنا، من كان ألطف منا أذهانا، وأسرع خواطر، وأجرأ جنانا، فأقف بين هاتين الخلتين حسيرا، وأكاثرهما فأنكفئ مكسورا، وإن خطر خاطر فيما بعد، يعلق الكف باحدى الجهتين، ويكفيها عن صاحبتها، قلنا به، وبالله التوفيق» وهو تردد عالم باحث مدقق لا يجد مرجّحا بين المذهبين، فيصل به الأمر إلى موقف «لا أدري» .
وقد كان يمكن لابن جني أن يتوقف عند رأيه الثالث، الذي ذهب فيه إلى أن اللغة نشأت تقليدا لأصوات الطبيعة «كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل» قد كان لابن جني أن يتوقف عند هذا الرأي الذي ينفرد به بين الباحثين في هذه القضية، ولكن يبدو أن هذا الرأي بدوره قد اعتبر تفريعا على القول بالاصطلاح، وهذا ما جعل ابن جني يقصر حيرته وتردده بين الاصطلاح والتوقيف.
* * * ويرتبط الخلاف حول أصل المواضعة أيضا بخلاف آخر حول تحديد مفهوم الكلام. فالكلام عند المعتزلة كما يعبّر عنهم القاضي عبد الجبار «ما حصل فيه نظام مخصوص من هذه الحروف المعقولة حصل في حرفين أو حروف.
فما اختصّ بذلك وجب كونه كلاما، وما فارقه لم يجب كونه كلاما. وإن كان من جهة التعارف لا يوصف بذلك، إلّا إذا وقع ممن يفيد أو يصحّ أن يفيد، فلذلك لا يوصف منطق الطير كلاما، وإن كان قد يكون حرفين أو حروفا منظومة» ويقوم هذا التعريف عند القاضي وهو تعريف يشترط في الكلام الافادة على أساس مبدأ أثير عند المعتزلة، هو «قياس الغائب على الشاهد» أي أن «كلام الله عز وجل من جنس الكلام المعقول في الشاهد، وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة» والفارق بين الشاهد والغائب أننا نحتاج في إحداث الكلام إلى بنية مخصوصة «لأن ذلك آلة لنا في ايجاده» لأننا قادرون بقدرة «وليس كذلك حكم القادر لنفسه، لأنه ليس يحتاج في ايجاده لما يوجده إلى آلة، ولا إلى سبب» .
وبذلك ينتهي القاضي إلى أن كلام الله «عرض يخلقه الله سبحانه في الأجسام على
وجه يسمع، ويفهم معناه، ويؤدي الملك ذلك إلى الأنبياء عليهم السلام بحسب ما يأمر به عز وجل ويعلمه صلاحا، ويشتمل على الأمر والنهي والخبر وسائر الأقسام، ككلام العباد» وبذلك ينتهي المعتزلة إلى اثبات حدوث كلام الله ونفي قدمه وذلك حفاظا على وحدة الله الأزلية.