فهرس الكتاب
من ثنية عسفان [1] »، وفيه نزول الآية في ذلك، فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، وفيها دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضًا أنه قال يوم أحد بعد أنَّ شُجَّ وجهه: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» . [2]
قال: ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخير النزول استغفاره - صلى الله عليه وسلم - للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك؛ فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله في الحديث: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) » [3] ؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد، عن علي - رضي الله عنه - قال: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقُلْتُ: أَيَسْتَغْفِرُ الرَّجُلُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟ فَقَال: َ أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَنَزَلَتْ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) » [4] ». اهـ [5]
قلت: ومما يؤكد تأخر نزول قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) عن قصة أبي طالب:
1 -قوله في الآية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) وهذا يدل على أنَّ الاستغفار وقع
(1) عُسْفَان - بضم أوله وسكون ثانيه ثم فاء وآخره نون: قرية جامعة، بها منبر ونخيل ومزارع، على ستة وثلاثين ميلًا من مكة، وهي حد تهامة. انظر: معجم البلدان، لياقوت (4/ 121 - 122) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (3477) ، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (1792) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4772) ، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (24) .
(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 99) ، حديث (771) ، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (3101) ، وقال: «حديث حسن» ، وحسنه الألباني، في صحيح سنن الترمذي (3/ 250) ، حديث (3101) .
(5) فتح الباري، لابن حجر (8/ 367 - 368) .