فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 977

أخيرًا: يا من قصد البحر! بسبب وصحبة إخلاص وصدق وصواب، وهمة مقرونة بها، يعقبه عمل، وقد نقد الثمن بثبات وتميز واتزان، اعلم أنك مسئول: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92 - 93] فليتق الله قاصد البحر في كل كلمة يقولها، وكل حركة أو سكون؛ فإن الله سائله.

ذُكر عن بعض العلماء رحمهم الله أنه ولي القضاء، فحكم على رجل فاجر سفيه طائش فقال له: والله! ما أردت بحكمك هذا وجه الله، ولقد ظلمتني.

فقال العالم: أو تقول ذاك؟

قال: نعم.

وأقسم عليه.

قال العالم -واسمعوا لما قال- قال: والذي لا إله إلا هو! ما تكلمت بكلمة منذ أربعين عامًا إلا وأعددت لها جوابًا بين يدي الله عز وجل!

فيا قاصد البحر: {لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به} فماذا عسى يكون الجواب؟ أعدَّ للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا، واقصد البحر بإعداد وخل القنوات.

أخي قاصد البحر: -ولعل الكل قاصد- بقي أمور لابد لي من سردها نظرًا للضيق.

أعط كل ذي حق حقه، وقدم فاضل الأعمال على مفضولها، واعرف خير الخيرين لتتبع، وشر الشرين، ومع الدليل تدور ولا تغتر بالكثرة، والبر البر تفلح، والقصد تبلغ، ولا تكن خبًا ولا الخب يخدعك:

وابذل الخير تجني كل صلاح يبتذل الخير إذ تطيب البذور

واعلم أن الكلام في الموضوع يطول، وما قلته سوى وميض حداء على الطريق، اكتفيت فيه من القلادة بما أحاط بالعنق، عجزًا في ضيق وقت، فما وجدت من صواب وحق فاقبله وما وجدت من خطأ فاعلم أني لم آلوا جهدًا في الصواب، ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال، والنقص في أصل الطبيعة كامن، وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلومًا جهولًا؛ لكن:

إن تجد عيبًا فسد الخللا جل من لا عيب فيه وعلا

واقصد البحر وخل القنوات!

أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا وعملًا.

اللهم كن لنا، وامكر لنا، وانصرنا وأعنا، واهدنا واهد بنا، ويسِّر الهدى لنا.

اللهم كن للمستضعفين والمضطهدين والمظلومين.

اللهم اجبر كسرهم، وتولَّ أمرهم، اللهم أزل عنهم العناء، واكشف عنهم الضر والبلاء.

اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، يا سميع الدعاء! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت