فهرس الكتاب

الصفحة 710 من 977

ولخشية ذلك كله فإني أنقل نفسي وإياكم إلى سماء القرن الأول؛ لنقف على أسرار سموه للسماء لنقول: هذه هي المراقي فارتقِ هذا هو النموذج لا غيره والمثال فصلاحه ضُرِبَت به الأمثال، وقدمت عليه البراهين، وقام غائبه مقام العيان، وخلدته بطون التواريخ، واعترف به الموافق والمخالف، ولَهَج به الراضي والساخط، وسجلته الأرض والسماء، فلو نَطَقَت الأرض لأخبرت أنها لم تشهد مذْ دحاها الله وطحاها وبراها أمةً أصلب على الحق وأهدى به من أول هذه الأمة، ولم تشهد فئةً اتحدت سرائرُها وظواهرُها على الخير مثل أول هذه الأمة، ولم تشهد مذ مهَّدها الله أمةً وحدت الله فاتحدت قواها على الخير قبل هذه الطبقة الأولى من هذه الأمة.

هذه شهادة الأرض تؤديها صامتة، فيكون صمتها أبلغ في الدلالة من نطق جميع الناطقين، ثم يشرح هذه الشهادةَ الواقعُ، ويفسرُها العيان التي لم تحجبه بضعة عشر قرنًا من الزمان.

إنها حقائق تاريخية ناطقة ينبغي الوقوف أمامها في كل مكان وزمان.

فقد تنطق الأشياء وهي صوامتٌ وما كل نطق المخبرين كلامُ

لقد خرَّجَتْ تلك الدعوة جيلًا في ذلك القرن فريدًا مميزًا في تاريخ الإسلام؛ بل في تاريخ البشرية جميعه جيلًا فريدًا في تصوره وشعوره وانتمائه ووضوحه جيلًا اختاره الله لحمل رسالته، ولصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم جيلًا جاءه الوحي على وعي، فتأسس على توحيد، وانطلق بعقيدة، وسار على منهج صحيح.

حمل فكرًا ساميًا لغاية أسمى زاده التقوى، وشعاره الجهاد، وحصنه الإيمان، وعدته الصبر، وخلقه القرآن، وقدوته سيد الأنام عليه الصلاة والسلام.

أمنيته الشهادة في سبيل الله؛ ليكون الدين كله لله، وغايته تلك مع الجنة ورضوان الله، والذي لا إله إلا هو لولا النقل الصحيح المتواتر القطعي لقيل:

ذاك طيف من خيال

بل هو الشيء المحال

قد تقولون: مُحال!

ذاك ضرب من خيال

قد تقولون ولكني أقول:

إنها تربية السبع الطوال!

لا محال

إنه هدي الكتاب

لا محال

فعلى وقع التلاوات تخضَرُّ التلال

لا محال

إنهم جيل المصاحف

لا محال

إنه جيل المحاريب وأساد النبال

إنهم شم الجبال

لا محال

والسؤال

لِمَ لَمْ تعُد الأمة تخرِّج مثل ذلك الطراز؟!

أما إنه قد يوجد أفراد وفئة من ذلك الطراز على مدى التاريخ؛ لكنه لا يحدث أن تَجمَّع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد كما وقع في القرن الأول، هذه ظاهرة واضحة ذات مدلول؛ تستحق أن نقف أمامها لعلنا نهتدي إلى السر، كما يقول سيد.

معشر الإخوة: إن قرآن تلك الدعوة في ذلك الجيل لم يزل بين يدينا محفوظًا، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه العملي وسيرته الكريمة بين أيدينا كذلك، لم يغِب سوى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل هذا هو السر؟!

أما إنه لو كان وجود شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم حتميًا لقيام هذه الدعوة وإيتائها ثمراتها ما جعلها الله دعوة للعالمين، وما جعلها آخر رسالة لأهل الأرض أجمعين.

إن الله قد تكفل بحفظ الذكر، وبيَّن أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تؤتي ثمارها، فاختاره الله سبحانه وتعالى إلى جواره، وأبقى هذا الدين من بعده إلى آخر الزمان؛ وعلى هذا فإن غَيبة شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفسر تلك الظاهرة، فما السر إذًا مرة أخرى؟!

هل تغير النبع؟!

هل تغير المنهج الذي تربوا عليه؟!

مهما تقادم جوهر في عتقه فهو الثمين وليس يبرح جوهرا

إن السر يكمن في أمور:

خذها إليك درة من الدرر من كاتب راز الأمور وخبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت