فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 977

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يَهْدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرَح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أَعْيُنًا عُمْيًا وآذانًا صُمًا وقلوبًا غلفًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71] .

أما بعد:

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأن نقدم لأنفسنا أعمالًا تُبَيِّض وجوهنا يوم نلقى الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

ثم اعلموا علم يقين أن حكمة الله اقتضت أن يكون الحق والباطل في خلاف دائم وصراع مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كل ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب، فمذ بَزَغَ نجم هذا الدين وأعداؤه من يهودٍ ونصارى ومشركين يحاولون القضاء عليه بكل ما يستطيعون: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوكَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32] .

حاول أعداء هذا الدين القضاء عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فما أفلحوا، وحاولوا في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فما أفلحوا، ثم في العصور المُتَأَخرة إلى وقتنا هذا وهم يحاولون دائبين؛ بالعنف والصراع المُسلح تارة، وبالمكر والخداع والخطط والمؤامرات تارة أخرى، ولسنا مجازفين -والله- عندما نقول ذلك؛ فالله يقول: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217] والله جل وعلا يقول: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120] .

هذه شهادة الله على أعدائنا بما يريدونه منا، وأَيُ شهادة أعظم من شهادة الله وأصدق، والتاريخ في ماضيه وحاضره يشهد بذلك، لكن أنَّى لهم أن يفلحوا ما تمسَّكنا بكتابنا وسُنَّةِ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم.

كلُّ العِدَا قَدْ جَنَّدوا طَاقَاتِهِم ضِدَّ الهُدَى والنُّورِ ضِدَّ الرِّفْعَةِ

إِسلامُنا هَُودِرْعُنَا وَسَِلاحُنَا ومنارنا عَبْرَ الدجى فِي الظُّلْمَةِ

هَُوبِالعَقِيدةِ رَافِعٌ أَعْلامَهُ فَامْشِ بِظِلِّ لِوَائهَا يَا أُمَّتِي

لا الغَْربُ يَقصِد عِزَّنَاكَلا ولا شَرْقُ التَحَلُّلِ إنَّهُ كَالحَيَّةِ

الكُلُّ يَقْصدُ ذُلَّنَا وهَوَانَنَا أَفَغَيْرُ رَبِّي مُنْقِذٌ مِنْ شِدَّةِ

عبادَ الله: يوم يُقلِّب المرء صفحات الماضي المجيد، ويتدبر القرآن الكريم، ثم ينظر لواقعنا، ويقارنه بماضينا، يتحسر يوم يَجِد البَوْن شاسعًا والفرق عظيمًا، يتحسر يوم يرى تلك الأمة وقد كانت قائدة وإذا بها قد أصبحت تابعة، ثم يدرك أن السبب هو بُعدنا عمَّا كان عليه أسلافنا، ويتساءل المرء: متى ينزاح هذا السواد الحالِك من الذل والمسكنة؟

متى يَنْبَرِي للأَمَّة أمثال خالد وصلاح والقعقاع؟

متى تُحيَا في القلوب آل عِمران والأنفالُ وبَرَاءة؟

قُلْ: عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا:

وإنَّا لنرجُو اللهَ حتَّى كأنَّما نَرَى بِجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللهُ صَانِعُ

عَودًا والعَود أحمد، عَودًا سريعًا إلى الماضي المجيد لنستلهِم منه الدروس والعبر في هذا الحاضر العاثر، عَودًا لسيرة من لم يطْرق العالم دعوة كدعوته، ولم يُؤَرِّخ التاريخ عن مُصلِح أعظم منه، ولم تسمع أُذن عن داعية أكرم منه:

رُوحِي الفِدَاءُ لِمَنْ أَخْلاقُهُ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ خَيْرُ مَبْعُوثٍ مِنَ البَشَرِ

عَمَّتْ فَضَائِلُهُ كُلَّ البِلادِ كَمَا عَمَّ البَرِيَّةَ ضوء الشَّمسِ والقَمَرِ

صلوات الله وسلامه عليه ما هَطَلَتْ الغمائم بتهتان المطر، وما هَدَلَتْ الحمائم على أفنان الشجر.

العَيْش في سيرته عَيْشٌ رَغِيد سعيد؛ هِداية ونور وحبور وبِشْر وسرور، ما أحرانا ونحن في هذه الأيام العَصِيبة أن نخترق أربعة عشر قرنًا؛ لنعيش يومًا من أيام محمد صلى الله عليه وسلم، بل ساعة من سُوَيْعاته الثمينة؛ لنأخذ العِبرة والدروس من تلك الساعة في هذه الساعة:

اقرءوا التَّارِيخَ إِذْ فيه العِبَرْ ضَلَّ قَوْمٌ لَيْسَ يَدْرُونَ الخَبَرْ

عَوْدًا بكم إلى السنة التاسعة للهجرة والعود أحمد؛ لنعيش معكم أحداث غزوة العسرة التي تساقط فيها المنافقون، وثبت فيها المؤمنون، وذَلَّ فيها الكافرون.

ما السبب وما الأحداث؟ ما آيات النبوة فيها؟ ما الدروس المستفادة؟ إليكموها، فاسمعوها وعُوها واعتبروا بما فيها.

واسألوا التاريخ عنا كيف كنا نحن أسسنا بناءً أحمديًا

بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الروم تتجمع لحربه ولتهديد الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، يريدون مبادرته بالحرب قبل أن يبادرهم؛ لكونه قد أذاقهم مرارة غزوة مؤتة التي جلبوا لها مائتيْ ألف، ولم يتمكنوا من إبادة ثلاثة آلاف مقاتل؛ بل ولا هزيمتهم، فيا للَّه!!

كنا جبالًا في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا

عند ذلك أعلن النبي صلى الله عليه وسلم ولأول مرة عن مقصده، وأعلن التعبئة العامة فتجهز أقوام وأبطأ آخرون، تجهز ثلاثون ألف مقاتل قد باعوا أنفسهم من الله، وأعلنوا نصرة لا إله إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت