أحبتي في الله: إن مصاب الأمة بفقد النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدله مصاب، فمن أصابته مصيبة فليتعزَّ بمصيبته في فقد النبي صلى الله عليه وسلم، ووالله ما لنا من عزاء إلا أن نمضي على نهجه وشرعته، فهي حية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا بد أن نتذكر عند ذكر موته وصاياه جميعها، ونخص منها وصاياه الثمينة الأخيرة، وأعظمها خشيته صلى الله عليه وسلم على أمته أن تنصرف عن عبادة الله إلى عبادته هو صلى الله عليه وسلم، أو إلى عبادة غيره، فيقول صلى الله عليه وسلم: {لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد} يريد لنا سلامة العقيدة، وتخرج ثمرة هذه الوصية واقعًا مطبقًا في قول أبي بكر -ولما يدفن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد-: [[من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت] ] فإلى دعاة الأموات من دون الله، وإلى رواد الأرض حيث يرجون منها كشف الكربات، وإلى المستغيثين حتى برسول الله صلى الله عليه وسلم نقول: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم: {الصلاة الصلاة} فهلا وعينا هذه الوصايا من صاحبها القائل: {كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى} ، كان شغله الشاغل صلى الله عليه وسلم سلامة الصف الذي لا يمكن أن يسلم إلا بسلامة العقيدة، فلا بد أن يبقى عند الدعاة إلى الله في الأرض هم هاتين القضيتين: سلامة العقيدة يتبعها بالتالي سلامة الصف، ولعل آخر نظرة ألقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في فجر يوم وفاته قد أثلجت صدره، وهو يرى أمته صفًا واحدًا وراء أبي بكر يصلي بهم، فيتبسم صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى غبطته بوحدة أمته وراء أبي بكر رضي الله عنه.
وتذهب اللحظات، وما يطلع فجر اليوم الثاني إلا والمسلمون قد جعلوا الصديق خليفة لهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون نموذجًا فريدًا من خريجي مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، فيا له من نموذج! ويالها من لحظتين متضادتين! لحظة وداع مؤثرة تمزق الأكباد والقلوب، ولحظة أخرى هي لحظة تولي الصديق أمر الأمة، التي أثلج الله بها صدور المؤمنين يوم ولى عليها خيرها، فله الحمد والمنة أولًا وأخرًا وظاهرًا وباطنًا، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.