-حتى جلس على أسفل مرقاه من المنبر وثاب الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون عليّ الموت كافة استنكارا منكم للموت، وما تنكرون من موت نبيكم؟! ألم أنع لكم وتنعى لكم أنفسكم؟ هل خلد نبي قبلي ممن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق وإنكم لا حقون به، وإني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا وأوصي المهاجرين فيما بينهم، وإن الله عزّ وجلّ قال: وَالْعَصْرِ 1 إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ 2- إلى آخرها-، وإن الأمور تجري بإذن الله تعالى، فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن الله عزّ وجلّ لا يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ 22، وأوصيكم بالأنصار خيرا فإنهم الذين تبوؤا الدار والإيمان، أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم الثمار؟ ألم يتوسعوا عليكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وأنا فرط لكم وأنتم لا حقون بي، ألا وإن موعدكم الحوض حين أعرض مما بين بصرى والشام وصنعاء اليمن فصب فيه ميزاب الكعبة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من الشهد، من يشرب منه لم يظمأ أبدا، حصباؤه اللؤلؤ، وبطحاؤه في مسك، من حرمه في الموقف غدا حرم الخير كله، ألا فمن أحب أن يرد عليّ غدا فليكفف يده ولسانه إلّا مما ينبغي.
وقد أخرج طرفا منه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك وابن عباس، فأخرج في مناقب الأنصار من حديث هشام بن زيد عن أنس قال:
مر أبو بكر والعباس رضي الله عنه بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال:
ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد-