للعهد، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيناه، ثم تناول ما حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا، وما في معناه من البيوع المنهي عنها) [1] .
الوجه الثاني:
أن لفظ الربا في الآية مما يحتاج إلى بيان والمبين لذلك هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد بين عليه السلام بأحاديثه الصحيحة المراد من الربا بما يتناول ربا الفضل دون النسيئة، وبذلك يلتحق البيان بالمبين فيثبت تحريم ربا الفضل بالآية الكريمة.
قال الجصاص في تفسيره: (الربا في الآية من الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان، وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة، فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مُسمى في الشرع بذلك، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرا من مراد الله بالآية نصا وتوقيفا، وفيه ما بينه دليلا، فلم يخل مراد الله من أن يكون معلوما عند أهل العلم بالتوقيف والاستدلال) [2] .
وقال ابن رشد في المقدمات: (وقد اختلف في لفظ الربا الوارد في القرآن، هل هو من الألفاظ العامة التي يُفهم المراد بها وتُحمل على عمومها حتى يأتي ما يخصها أو من الألفاظ المجملة التي لا يفهم المراد بها من لفظها وتفتقر في البيان إلى غيرها على قولين، والذي يدل عليه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يفسرها) أنها من الألفاظ المجملة المفتقرة إلى البيان والتفسير) [3] .
مناقشة الدليل من الكتاب:
قد يناقش الاستدلال بالآية بأنها ليست نصا في تحريم ربا الفضل، وإنما مجرد احتمال، ذلك أن بعض المفسرين يرون أن (أل) في الربا للعهد أي: الربا المعهود والشائع في الجاهلية وهو ربا النسيئة:
دفع هذه المناقشة
يمكن دفع هذه المناقشة بأن (أل) في الربا لاستغراق الجنس، وليست للعهد، وعلى فرض أنها للعهد فلفظ الربا المذكور في الآية لا يخلو إما أن يكون عاما أي: (الربا المعهود وغيره مما لا يعرفه أهل الجاهلية.
أو يكون مجملا بينته السنة أي: الربا المعروف في الجاهلية وغيره مما ورد ذكره في السنة المطهرة وبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أتم البيان.
وبالرجوع إلى ما ذكره [4] العلامة الجصاص حول تفسير هذه الآية -مع أنه يرى أن لفظ الربا في الآية لفظ مُجمل- وما ذكره العلامة [5] ابن العربي في تفسيره -مع أنه يرى أن لفظ الربا في الآية
(1) أحكام القرآن للقرطبي: ج 3 ج 358.
(2) كتاب أحكام القرآن للجصاص: ج 1 ص 64 - 465.
(3) المقدمات الممهدات لابن رشد: ج 2 ص 505.
(4) كتاب أحكام القرآن للجصاص: ج 1 ص 465.
(5) أحكام القرآن لابن العربي: ج 3 ص 241.